(٤) يوم من أيام الربيع مرّ بالروضة رجل يقود قرداً يرقصه ويلاعبه
فارتأينا ادخاله لحديقة الروضة ليتفرج الأطفال عليه . وراح الرجل يطبل للقرد
ويوعز إليه ببعض الاوامر والقرد يطيع ويرقص - الامر الذي ابهج الأطفال
كثيراً . بعد يومين أعطي الأطفال قطعاً من الطين الملون المسمى «بالبلستيسين»
وطلب منهم ان يعملوا نماذج مألوفة مما تقع عليه اعينهم . وبعد برهة وجيزة ،
مرت المعلمة بمقاعد الأطفال فدهشت لمنظر عرفان وقد عمل من طينته قرداً واقفاً
على رجليه الخلفيتين ويداه في الهواء والى جانبه صاحبه ويداه على الطبل المعلق في
عنقه ! وكان ذلك بسرعة ومهارة . ولم يكن عرفان من الأطفال البارزين في
صفه قبل ان تكتشف فيه هذه الهبة - هبة الفن اليدوي ، نتيجة الفن النظري ،
فارتفع في اعين معلميه ، وصار يُنظر اليه نظرة اعجاب وتقدير للفن .

(٥) في احدى رياض الأطفال أجريت تجربة لاكتشاف هبة الموسيقى بين
خمسين طفلاً فكانوا جالسين يتحدثون عندما بدأت المعلمة تعزف على البيان فبدا
الاصغاء على معظمهم . ثم لم يلبث ان انقسم هذا الفريق الى قسمين ، منهم من
ترك مكانه وانتقل الى مكان آخر قريب من البيان ومنهم من استأنف حديثه .
ولوحظ قسم منهم يربت برجله او يده محافظاً على الوقت ولما غيرت المعلمة الوقت
تنبه له هؤلاء الأطفال دون تعمد منهم . ولاحت في عيونهم لذة غريبة عند
سماع هذه الانغام العذبة وبعد هذا ضوعفت العناية الموسيقية لهذه الفئة فأوتيت
ثمارها الطيبة وكانت نتيجتها مدهشة . اما الطائفة غير الموهوبة فانها عُرضت

كثيراً لسماع الموسيقى الصالحة لها وبعد مدة لوحظ فرق محسوس في تذوقهم للموسيقى وتقديرهم لها .
◆
(٦) ان المتفرج على اطفال الروضة اثناء الرقص ، لا يلبث ان تلفت نظره
فاتن وجريس وريه فهن في خفتهن وتنقل ارجلهن وحركة اجسامهن كأنما خلقن
راقصات وبودهن لو يرقصن طول يومهن دون اقل شعور بالاعياء .

انه لمن العقل ان يكون لفاتن وجريس وريه ولعرفان وسرمد واسامه ولامثال هؤلاء الاطفال الفنانين ، غير جدول الدروس
الاسبوعي المقرر لسواهم من الاطفال .
ومن العدل ان يعطى هؤلاء الفنانون الوقت الكافي لممارسة فنهم والتتلمذ على ايدي فنيين اخصائيين بقدر ما يتاح لهم
ذلك . لانه غير مستغرب ان يبرز من بين هؤلاء الاطفال وامثالهم فنانون عالميون ، يحافظون على طابع الفن العربي وصبغته
الجميلة فيدرسونه ويتفهمون دقائقه ويلبسونه ثوباً جديداً يتفق والذوق العصري ، مع المحافظة على الوانه وخطوطه
هينشأ من الموت حياة ويُفتتح عصر جديد ، تتقدمه موجة تجدّد ، نحن في امس الحاجة اليها .
