زرت الفريكة مرات. ولولا الريحانيون ما زرتها مرة، بل ما سمعت باسمها قط. فإنما الريحانيون، وفي مقدمتهم أمين، هم الذين أثبتوها على مخطط لبنان، أو قل مخطط الكرة الأرضية. فأعجب لضيعة صغيرة من لبنان تعد منازلها على أصابع اليد، تغدو، لسنوات خلت، أشهر في الخافقين من لبنان نفسه.
وأشهد أنني ما تهيّبت شيئاً بعد، كما تهيّبت وجه الفريكة يشرف علي من مطلٍ وادٍ عميق مسحور، يخيل إليك أنه، ولا ريب، مأهول بآلهة الأساطير. فما أن تدخل بيت الريحاني، حتى يستقبلك أهل له مصطافون، ويدرج أمامك طفلان هما أمين الصغير ومي الصغيرة - طفلان يحملان، عن عمد، اسمين كبيرين، بل قل مسؤوليتين كبيرتين سيجابهان تحديهما طيلة عمر لها مديد بإذن الله. ولن يفوتك، على الرغم من زوال الجسد، متعة الاجتماع بالأمين الكبير. فهو هناك... هذه أشياؤه كما تركها قبل الرحيل. صور على الجدران، له وعنه؛ وخزانات كتب عامرات؛ وبطاقات ورسائل مكرّمات كانت ترد إليه من كبار القوم في أربعة أرجاء المعمور؛ وأقلامه ومحابره؛ والبلاطة التي كان يقف عليها كل مساء مواجهاً ربه قبالة صنين؛ والفراش الذي كان ينام عليه والمقعد الذي كان يركن إليه... كل شيء، حتى تلك التي لا تلمس باليد أو تُرى بالعين.
وإذا ما جلست إلى سعدى -
شقيقته - طفقت تتحدث إليك عن شقيقها العظيم. فهي تاريخ عنه حي، ليت المؤرخين الباحثين عن المصادر الوثيقة يفطنون إليه ويهتدون، قبل فوات الأوان. وإنك لتصغي بشوق وشغف؛ وإنك لتعيش مع الأمين فيما تتحدث إليك به من أحاديث. وحين تصل بك إلى نشأة الأمين، تنهضك معها إلى

شرفة البيت لتريك الكنيسة الصغيرة التي تعرّف بها إلى الحروف الأبجدية، والزيتونة التي كان يتدرج في ظلها على مبادئ القراءة، والمقعد الذي كان يجلس عليه حين يطالع، والمنضدة التي تحمّلت أعباء قلمه سنيناً طوالاً، والطريق التي كان يتمشى عليها في الأصبوحات والأمسيات. وتطفق تتحدث إليك عما كان يحب وما لا يحب، وعمن كان يزوره من الناس، وعن رحلاته وتنقلاته هنا وعبر البحار، وعن علاقته بمي زيادة وعطفه عليها وتضحيته في سبيلها يوم محنتها؛ وعن شؤون أخرى عديدة لا يطالها وصف. ولا عجب، فهي كحياة الأمين غزارة وغنى، سواء بسواء.
وحسبك من هذا كله، أنك تعيش
مع الأمين هنيهات يقف عندها الزمن، فيرتد خاطرك إلى مطلع هذا القرن، ثم يجبو بذاكرتك صُعداً في رفقة هذا الرجل. وأي رجل هو! أما رأيته يتحدى المكان، فيصل، بفكره وجسده معاً، شاطئ الشرق الأقرب بشاطئ الغرب الأبعد، قبل أن يصل بينهما «الذهب الأسود»؟ وأما رأيته يتحدى الزمان كذلك، فيلقي على المسامع وينشر في الصحائف آراءه في الإصلاح، لم تسمع بها في العربية إذن ولم تقع عليها عين، قبل أن تسمع بها وتقع عليها في دستور العثمانيين، ومبادئ ولسن، وميثاق عصبة الأمم، وشرعة الأطلسي، وغيرها مما تتمخض عنه منظمة الأمم المتحدة؟ ودونك «الريحانيات» و«ملوك العرب» و«زنبقة الغور» و«خالد» و«داخل الحريم» لتشهد كيف تحدى الأمين موكب الزمان بالنسبة إلى ما كان قد انفتح عليه العقل العربي في ذلك الحين.


