رجل ادرك بوحي من سليقته خفايا الموسيقى وغوامضها ، وراح يسترسل بالاناشيد والالحان السحرية ، فاذا بنشوى تستولي على السامع ، وهي نشوى طارئة عن سبيل التفاؤل المسيطر على الحانه .
ولطالما عارك باخ الدهر ، وذاق حلوه ومرّه ، فاستنتج من خبرته الواسعة آراء وحكماً ونظريات صائبة يرددها كل انسان ويتبنى عند استباغها لو انه ادركها قبل هذا الاوان . وهذا التضامن مع شخصية باخ عائد الى حالته الالهامية عندما يؤلف الالحان المطربة . الحانه متوحدة حتى لا انقسام لاجزائها . ترقى بجملها الى تلك الحالة الالهامية السامية التي حاولنا ان نقترب اليها مراراً . فكل ما تنبئ به نفسه وتتمتم شفتاه من كلمات ومقاطع تولد مجرى متصلاً يبتل اليها تيار اهتزازه وارتجافه . واذا بنا نضطرب لما كان يضطرب به باخ قبل ثلاثمائة سنة ، فنفرح لنجاحه ، ونتألم لاخفاقه ، وتترنح نفسنا ابداً كما ترغب نفسه بين الرغبة والرهبة
والامل والقنوط . هذا هو مفعول تلك الروعة الجبارة التي تسيطر على مجموعة تأليف باخ فوق العوامل العقلية والمادية فتنقلنا الى جوها الصافي . فهو كما يقال عن المتنبي « ينطق بالسنة الحدثان ويعبر عن افكار كل انسان . » وفوق هذا كله ، فإن ادبه الموسيقي شامل عام .
لقد انشأ باخ مؤلفاته في وسط العصر الثامن عشر ؛ ذلك العصر الذي تأثرت فيه المانيا بثقافة فرنسا الموسيقية بواسطة « غلوك » Gluck الذي قضى ردحاً من الزمن في الربوع الافرنسية وحمل فيها بعد الى اجواء المانيا الرسالة الافرنسية المائدة ، فحولها الالمان الى موسيقى خالدة . ومع ذلك فان تلك المؤلفات تمتاز عن ذلك التيار الادبي العام الذي شمل العصر كله ، اذ ان الخيال المغالي والحساسية المفرطة قد اصبحا البدعة السائدة والقاعدة الاساسية في المانيا . في حين ان فرنسا كانت تمتاز في ذلك الوقت بجذب الخيال وركود الفكر . وقد اتصف الادب الالماني في تلك الحقبة بتأليف الاسفار الشخصية التي تعبر عن المشاعر الخاصة دون ما اكتراث بالحقائق العامة او بالطوابع الانسانية . ويمكننا ان ندعم اقوالنا بتعريف قيم عن سائر تأليفه . ولكن نحن نعلم ان كل مجموعة من تأليفه تحتاج في تحليلها والتعرف بها الى مقال خاص على الاقل . ولكن ينبغي ان نسير - ولو مؤقتاً - روح السرعة السائدة في هذه
الآونة فنكتفي بلمحات خاطفة .
ان الحان « القداس » تظهر لنا نفس باخ تلتقة الى التحليق نحو الخالق ، فيخيل لسامع القسم الرابع وهو الملائم لوقت « قانون الايمان » بالذبيحة الالهية ان ارتفعت الالحان الحزينة الكثيرة التي توحي للانسان عدم استحقاقه لموت المسيح على خشبة العار . واذ يواصل سيره في تأليف قداسه ينعتق شيئاً فشيئاً من هذا الجو الحزين وينقلنا الى جو اسمى وابهى حيث يلمع وميض الرجاء في حياة اسعد من التي نعيشها والاستسلام لمشيئة الخالق . اما فيما يختص باسلوبه فالمعاني عذبة رشيقة والتأليف واضح غني بالعبارات والنوطة المزخرفة التي ترفع الستار عن بحر ذاخر بالموسيقى في نفسية باخ النبيلة . فالحانه ، كما قال عنها جورج دوهاميل في محاضرة عن باخ القاها في باريس سنة ١٩٣٧ - قد خلقت لتمجد خالقها لما هي عليه من نقاوة السريرة وصفاوة العقيدة ، وهي تنعم بشيء من الميلوديا السحرية التي تذهب بكامن القلوب .
ثم تأتينا مأساة « الالام حسب القديس متى » وهي تنقسم الى قسمين واضحين . ينتهي الاول عند القبض على المسيح ويبدأ الثاني بجلسة قيافا حتى قبر المسيح . وقد ألف باخ هذه المأساة سنة ١٧٢٨ في ليبزيك . ونحن نرى تعبيراً واضحاً جلياً عما اكتنزته نفس ابن الانسان طيلة مروره على الارض من الفضائل السامية والاندفاع الحار الجياش في سبيل خلاص البشرية .
واما فيما يختص « بتوابعه » فهي آية سحرية في النظم الموسيقي قد فرغ فيها المؤلف عصارة قلبه واهدافه السامية وتفكيره المتقد وذكائه الفذ . ان تأليفه


