
ولد صاحبنا عام ١٨٥١ .
وبعد ثلاثة اعوام ركب البحر مع عائلته . ومنذ ذلك الحين عشق المخاطر وطاب له ركوب البحار فغامر وما تراجع او تردد .
في اواخر القرن الماضي ، ذلك القرن الذي امتاز بالتحرر الفني المطلق والاندفاع الجنوني وراء العواطف والاهواء ، وفي
يوم مطير احتجبت شمسه العارية خجلاً وراء سحب تكاثفت حتى دكنت واسود لونها ، والاشجار الباسقة تتراقص في الرياح الجاحمة فتتناثر اوراقها صفراء عليلة ، في الصباح الباكر من ذلك اليوم ركب رجل لما يخطو الاربعين بعد عربة صغيرة حقيرة ووجهته الجنوب .
وقامت العربة تذر في الجو البارد رذاذاً كثيفاً من الاوحال الحضلة السمراء وتدرج في شوارع المدينة المتقاطعة دون ان يهتم احد لأصوات عجلاتها الخشنة او ينفر امامها كلب طليق او دجاجة عاقة او ديك ضال .
أجل . لم ينتبه لهذه العربة سوى امرأة واحدة . ومن ذا الذي يلتفت إلى عربة فيها رجل وحده سوى المرأة ؟ إلا ان هذه المرأة لم تكن كغيرها من النساء ، فهي في نافذتها عند اول الشارع تحديق في العربة كأنها ترى الماضي بأدق جزئياته ولا تلمح من عندها بصيصاً ، وإلى جانبها اطفال اربعة معظمهم لأم يلعب واكبرهم ينتصب بجانب امه يحدق معها وكأنه فقد امراً جللاً او قل فقد الحياة . . . وعلى ذراعيها طفلة صغيرة صامتة هادئة الا من صوت خافت او بعض صوت ترسله الفينة بعد الفينة لذة منها في الحياة . . . او شبه لذة .
وفي عيني الام اتساع عميق وفراغ مبهم مخيف ما عهدهما انسان في عيني امرأة من قبل ، وقد غشتهما دمعتان كبيرتان تترددان . . . انتسابان حرقة على ذاك الذي غلفه المطر ، ام تسجان تفريجاً لكربة وهم ، ام تبقيان حيث هما ترتجفان خوف انتباهة عارضة من طفل مرح مطمئن ناعم البال ؟ . . .
وسألتها ابنتها وهي تحدق مثلها في العربة تتوارى في ضباب الماء المتهاطل :
ـ إلى اين ذاهب ابي ، ومتى يعود . ؟
وهل تدري الام إلى اين ذاهب زوجها . . لقد انطلق عدة مرات كهذه . . . وعاد ، دون ان تتوقع منه ذلك او ترتقب . . .
بل ، هل من احد في المدينة كلها يدري إلى اين رحل ذلك الرجل القوي المغامر بحياته وحياة عائلته ؟ أيعرف احد في العالم إلى اين يتجه هذا الذي كان ثرياً في شبابه ثم طلق المصارف شغفاً بالتصوير فافتقر وافقر أهله ؟ . . . ايعلم احد إلى اين يقصد فنان شرع بالمسير ؟
لا . . . ما عرف انسان هذا قط ولن يعرفه انسان . . . حتى ولا ذلك الفجري الشاب في العربة الصغيرة الحقيرة التي تدرج مهترة في المطر المنسكب تتناثر القطرات فوق سطحها ضاحكة مقهقهة . . . في كل اتجاه .

إلى اين عزمت يابول كوغان ؟
دعنا نلتقط الذكريات تنفلت من مخيلته واحدة واحدة علنا نعرف ماضيه او نتكهن عن وجهته .
في السابعة عشر من عمره كان عاملاً على ظهر باخرة تنتقل بين الهافر وريودي جنيرو ولكنه سريعاً ما تخلى عن عمله هذا فالحقته عائلته باحد المصارف وكان اذ ذاك على شفا العشرين .
وفي الرابعة والعشرين غزاه الزواج فتزوج من فتاة دنماركية أخذت ترافقه ايام الآحاد فتجلس بجانبه تتابع بنظراتها المحبة انتقال ريشته وظهور الالوان متلاعبة على اللوحة . . وقد ظنت ان حياته سوف لا تتعدى تلك التسلية واللعب ، وما عرفت أنها بدء النضال وأول الاستعداد . وقد بقيت حياته على ما هي عليه حتى التاسعة والعشرين حين شرع يعرض لوحاته مع اصدقائه الفنانين الانطباعيين . فحتى ذلك الوقت كان لا يزال يتناول من المصرف مالاً كافياً لان يتخذ بيتاً مريحاً ومرسماً