

واسعاً حسناً.
وفي الثانية والثلاثين ادرك بول كوغان ان ليس في المصارف ما يجذبه اليها وليس في عمله ذلك لذة او متعة، وادرك ايضاً ان التصوير فن قمين بأن ينذر له المرء نفسه وحياته. فهجر المصارف وانعكف على هوايته مردداً قوله: «من الآن فصاعداً سأصور لوحة كل يوم.»
وليس بالغريب العجيب اذا رويت لك ان حياته الخاصة أخذت تتدهور بسرعة، بل باكثر من ذلك. فانتقل بامرأته واطفاله الى الدنمارك حيث بدأت الزوجة تشتغل لتطعم اولادها وزوجها فتطرد عنهم الجوع والمسغبة. ولكن بول لم يقو على البقاء كذلك، فصمم
على الرحيل الى باريس مع ابنه الاكبر فوصلها فأذا بالطفل يمرض فيمرضه ويتابع التصوير. واضطر الى الانحدار في عيشته فانتقل الى نزل خارج باريس اتخذه فنانو القرن الماضي مقراً لهم، وقد ترك وراءه ابنه. وفي ذلك النزل اخذ كوغان مكانه بين الفنانين وخلق مدرسته الخاصة. وأجبر بعدها الى جزر المارتينيك ثم عاد ثانية الى باريس... أجل الى باريس مرة اخرى... او بالآخرى الى اولئك الذين «يعيشون في باريس فساداً»... الى الطاحونة الحمراء وموغارتر... الى سيزان وفان كوه وجورج سورا وتولوز لوتريك... الى زولا واميل برنارد... الى القرن التاسع عشر باسره مركزاً في كأس واحدة من الابست...
نعم، القرن التاسع عشر الذي حطم الاغلال بضربة واحدة من عصبة واحدة حول طاولة واحدة... وفي ضمة من فقر مدقع واحد!
ما عرف البشر قط زمرة من الناس اقوى عزيمة واصلب عوداً واثبت نفساً من هؤلاء..
لكن العصبة ان تبقى في باريس وابعادها الدنيا برحابها، فالشمس شعلة ملتهبة تنتقل ببطء في كل مكان والفنان في القرن التاسع عشر شعلة ملتهبة ايضا فلا غرو ولا عجب ان تتبع الشمس وسار في النور.
فمات سورا
واغتنى زولا
ورحل فان كوه الى آراك
وانعزل سيزان في هضاب إيكس لاشابيل وحقولها،
وبقي تولوز لوتريك في الطاحونة الحمراء ومرابعها فأقفرت باريس، وخلا موغارتر.
ووصلته من آرل دعوة صديقه المفضل فنسنت فان كوه فقدم اليها
حيث قضى مع «المجنون ذي الشعر الاحمر» وقتاً بين التصوير والنزاع و...
ففي آرل شمس حارة، لونها كلون الليمون ونورها أصفر يصدع الرأس ويزعزع الأعصاب، فأن اردت ان تتعرف اليها فارجع الى فان كوه.
وفي آرل نساء يحدثك عنهن بول كوغان...
وفيها اشياء اخرى... وراشيل... والحديث عن راشيل صعب، حظر هنا سرده ولكنني اقول لك انها أفقدت فان كوه عقله او بالآخرى ساعدته على ذلك فأخذ يشك في كل من هم حوله ويسيء فيهم ظنه، فكانت اولى ضحاياه بول المنكود...
فبول يذكر دون شك تلك الأمسية التي قذف فيها فنسنت رأسه بقدح ملؤه الابست.
ويذكر الليلة التي استيقظ فيها فجأة يدفعه شعور غريب فرآه فنسنت منتصباً في الظلمة الدامسة بجانب فراشه محدقاً في رأسه تحديداً مخيفاً فسأله ما به، فارتد المسكين لتوه.