قيل عن كتب الجاحظ انها تعلم العقل اولاً والادب ثانياً ، بمعنى انها لا تعلم العقل بمقدار ما تعلم الادب ، بل ان تعليمها للعقل يفوق تعليمها للادب .
أما كتب الريحاني ، وحسبنا منها الآن ، قلب لبنان ، فهي ، تعلم العقل والادب بنفس المقدار ، ونفس المنزلة .
فان الريحاني المفكّر ، المصلح ، يمشي جنباً إلى جنب مع الريحاني الاديب ، الفنان ، الشاعر . ان هذه الخصال كلها ، متداخلة ، متوافقة ، تشكل شخصية الريحاني الكاتب .
من أجل ذلك لا يضجر المطالع أبداً عندما يكون في رفقة الامين . فهو اذا حاول ان يلقي عليك درساً اصلاحياً قيماً ، فيلقيه بهذه الصورة التي تحببه الى القلب والفكر ، فيدخل اليها بغير إجهاد او تعب .
ولا نظن ان دروسه تعطى كلها بهذا القالب الجاف الذي تعطى فيه الدروس عادة . انما هي تعطى باسلوب يصح ان نسميه « ريحانياً » ، لانني لا أعرف كاتباً غير الريحاني استعمل هذا الاسلوب . يقولون ان بين الريحاني وبين فولتير شبهاً قوياً في المنحى التهكمي الذي نحاه كل منها . غير ان تهكم فولتير قاس مؤلم حاد . . هو « كالسنة » توخزك فتؤلمك . . . أما تهكم
الريحاني فهو تهكم ملطف ، مقبول ، يتناوله القارئ كما يتناول النكتة التي تضحك لتفيد ، لا لتؤلم . والفرق واضح بين الاثنين . فان فولتير كان يكتب ويتهكم ليهدم . اما الريحاني فقد كتب وتهكم ليبني امة جديدة لا تحفظ من الماضي الا مآثره الخالدة ، اما تقاليده العفنة ، فتقبرها في قبو « الآثار » الذي لا يدعمه لكل ابنة تتدرج صعداً في سلم التمدن والحضارة .
اتهمت فئة من المغرضين امين الريحاني بأنه كان يعمل للعرب ، ولا يعمل للبنان . . . كذلك تقول هذه الفئة . . . واني اقول لهذه الفئة ولمن سايرها : هل يمكن ان يُخدم لبنان ، بخير ما خدمه الريحاني في كتابه « قلب لبنان » .
اذا اردنا ان نأخذ صورة واضحة عن هذا الوطن المحبوب ، فلن نجدها إلا في « قلب لبنان » . واذا اردنا ان نخدم هذا الوطن بان نستأصل امراضه ، ونبنيه بنياناً اجتماعياً ثابتاً ، فلن نجد اسس هذا البنيان ، اوضح مما هي في « قلب لبنان » .
أقول هذا في غير تحيز ، ولا تحمس . فإني ، انا اللبناني ، كنت اجهل لبنان الى ان وجدته ، في « قلب لبنان » ، وطناً تختلط فيه الاضداد ، ويختلط فيه الحاضر بالماضي والمستقبل . تنتقل فيه من صوف الى حجاج ، فتنتقل من المدينة « المبرنطة » الى المدينة الساذجة « الانسانية » ، التي تحمل في يديها السلام والطمأنينة والثبات ، وفي الشمال ، تحمل القلب الذي يستقبلك بـ « أهلاً وسهلاً » بريئة من التصنع والتكلف والحث .
وتنتقل فيه من غرزوز الى جبيل ، فتنتقل كما ينتقل بطل الرواية من مشهد الى مشهد الى مشهد . وكل من هذه المشاهد يحمل لوناً خاصاً وصورة خاصة . في غرزوز تسمع الترانيل
لمديس عجائبي من قديسي الجبل ، وفي جبيل تسمع الترانيل للآله ادونيس أو للآلهة عشتروت . وبين غرزوز وجبيل مسافة لا تذكر اذا ذكرت المسافات . وبين الترانيل تتلى للقديس العجائبي ، والترانيل تنشد لادونيس وعشتروت ، صلة وثيقة تجعل الاولى متداخلة بالثانية تداخلاً عجيباً . . . هو الماضي يعيش مع الحاضر ، وهو الحاضر الذي يعطيك صورة عن المستقبل .
هل كنت تعرف هذا كله عن لبنان . هل كنت تعرف هذه النفسية التي تجهل المقاييس الزمنية فتعيش في الماضي والحاضر والمستقبل . هنا السر في تغني اللبناني بأمجاده الماضية ، ونسيانه الحاضر . هنا السر في تمسك اللبناني بتقاليده الثابتة في صدره اثبت من الصخور في صدر لبنان .
يصور الريحاني هذا كله ، بأسلوبه الخاص ، فيشيع في صدرك الحماس ، ويوقظ في قلبك رغبة الاصلاح .
هو لا يعطيك رأيه كما تعطى الآراء ، لمجرد انه رأي . بل يصور لك الحالة تصويراً دقيقاً شاملاً ، ويتركك بعدئذ تستنتج هذا الرأي ، على انه الرأي الصالح للعمل الصالح . وهذه فضيلة لا يصح إلا ان تثبتها للأمين . فهو يشرك القارئ في ايجاد الادواء الضرورية للعلل . وبذلك يجيء القارئ للعمل والاقدام ، عن وعي وإدراك ، لان القارئ يشعر ، بينه وبين نفسه ، انه هو صاحب الرأي الصائب الصحيح ، لا الكاتب نفسه ، الذي يكون قد صور العلة وأكثر باجادة التصوير .
ان هذا الاسلوب « الايحائي » كما يسميه علماء النفس ، هو اسلوب الريحاني في الدعوة الى الاصلاح .
ويفترض في صاحب هذا الاسلوب ان يكون شاعراً واديباً وفناناً ، حتى يتمكن من السيطرة على مشاعر قرائه . والواقع ان امين الريحاني ، وقد دعي « فيلسوف الفريكه » ، وشاع عنه انه مصلح كبير ومفكّر كبير ، ينطوي كذلك على امين الريحاني الاديب والشاعر والفنان .


