رفرف جانح الليل ، فرددت الاوديــة همس تسبيح وتهليل . . . وارتقصت الأجراس ، في كل قمة ، فذاب لحنها مع الهمس ، وانطلق في الآفاق ، يعقــد ، حول نجمة الصبح ، إطاراً من المحبة والخير والسلام . . .
وانثنت النجمة ، يلفهــا الأطار ، في موكب النهار الجديد . . . وأطل هــذا النهار ، على الناس ، فأطل الناس ، منه ، على النور . . .
هو نور الميلاد . . . النور الذي يغشي الناس ، اليوم ، في موكبه .
ترى ، هل هم يبصرون في موكــب النور ، ام ان في عيونهم رمدًا ، وفي قلوبهم ظلاماً ؟ ! . .
. . . . لا تزال اصوات الاجراس تتعانق فوق المنعطفات . . . ولا يزال همس الوادي يتردد في كل صوب . . . ولا يزال الناس يمشون في موكب النور . . . ويمشون . . . والنور ما فتىء يقف في عتبة القلوب ، فترده غمرة الظلام . . . ولا يزال ينعكس على العيون ، فتغض العيون الطرف ، لانهــا مــا تعودت ان تبصر الا من القلب ! . . . .
. . . وفي هــذه الليلة ، نعم في هذه الليلة ، ردني عن الفراش صوتٌ غريب . !
. . كان ذلك في نصف الليل . . وهو صوت طفل ، يتفتّق في لحنه حجُب الغصّة . فعدت عن الفراش الى النــافذة ، أطل منها على الناس ، فرأيتهم يتوافدون مواكب مواكب . . .
. . . وتجرأت وسألت أحدهم الى أين يسيرون . . . فما تفضل واجاب . . .
فسألت رجلًا شيخاً كان في آخر القافلة ، فاتكأ على عصاه ، ورفع رأسه ، وقال : وُلد لنا اليوم طفل جديد ، ونحن ذاهبون الى استقباله . . .
عجبت كيف تسير الشيوخ الى استقبال الاطفال ، في مثل هذه الساعة . . .
وعجبت من قوله « وُلد لنا » . . . فانه طفل لا شك غريب . . .
ودفعني فضولي الى اللحــاق بالقافلة .
فتبعتها . وسرت بين الناس ، وجوههم ما يبطنون . . . فما ا[...] مما قرأت . .
كانوا في هرج ومرج . . . يتم[...] ويضحكون ويقهقهون
ولم ادرِ ما معنى هذه المعايدة وهذه القهقهة والضحك . . .
وانتهوا الى دار كبيرة فيلجوا القهقهة ، وهي بعــد ، طريّة ، ودخلوا ، يتصنعون الخشوع . . . ثم خرجوا ، بعد ساعة ، من حيث دخلوا ، ليعودوا الى الهرج والمرج . .
وانسللت قرب واحد منهم ، اسأله عن المولود الجديد ، فاني لم اجده ، في الدار ، فاجابني بحديث طويل فهمت منــه ان الطفل وُلد منذ الف وتسعمائة وسبع واربعين سنة ، وان هذه الزيارة ، عادة من العادات . . .
تذكرت عندئذٍ حديث الرجل الشيخ . . . وكيف ان العادة تأصلت فيــه ، فاجابني بتلك الآية « وُلد لنا اليوم طفل جديد »
وعــدت الى غرفتي ، تراودني صور الزيارة . . .
وعندمــا حاولت ان اقرب الفراش ردني عنه ذلك الصوت ، الصوت الغريب نفسه ! فارتددت . . . ووقفت صامتــاً مفكرًا هائماً . . . تُرى ، ماذا يريد مني هــذا الصوت ؟ وصوت مَنْ تراه يكون ؟ عبثاً حاولت ان اجد ردًا مقنعــاً لهذه الاسئلة . . .
وعندما اخذت القلم لاكتب شيئاً يلهيني ، ويبعد عني الاضطراب ، سمعتُ هذا الصوت نفسه يهمس في اذني :
« اكتب للناس عني » .
- فترددت ، وسألت نفسي : مَنْ تراه يكون ؟ فسمعت صوتاً يقول :
« اكتب ، وأقول لك من انــا » . وجرى القلم بيدي ، من تلقاء نفسه . فاذا امامي هذه الكلمات :
« عندما تزورونني ، افتحوا قلوبكم للنور ، وضمّخوا ضمائركم ببخور التوبة . . . ولا تدخلوا بيتي وقلوبكم مظلمة ، وضمائركم