لو سألت عمرًا من الناس عن تعريف لكلمة « كنز » لكان جوابه - على الأرجح - ان الكنز هو مجموعة « خزانية » من أحجار كريمة نادرة او معدن ثمين تجدها دفينة في باطن الأرض او ضائعة في أماكن سحيقة من الكون شاقة المسالك صعبة المنال.
وقد يكون للخيال نصيب في تفكير عمرو هذا يجعله ينتقل بك من هذا التعريف الشامل الى ما قد غاب عن علمك من اين للكنوز مردة من الجان تحميها وان أسرارها رهينة بعض التعاويذ او الطلاسم وأن وأن ..
ما قد تنقصه قوة التفكير العلمي دون ان يحرمه ذلك روعة الخيال وعذوبة الأسطورة.
ولو كان لي ان أعارض عمرًا هذا في تعريفه لقلت له انه ليس لزامًا على الكنوز ان تكون دفينة تحت طبقات الثرى او ضائعة في بعض مجاهل هذا الكون الفسيح ، فكم من بقعة في الأرض ، عميمة خيراتها ، نمر بها دون ان نفطن الى ما قد نجنيه منها بشيء من العمل والعناء . وكم من موارد للخير فيما يحيط بنا من جماد ونبات وأحياء يقصينا عنها طمعنا بسراب الحياة الدنيا ذلك السراب الذي لا يفتأ يجتذبنا نحوه حتى يؤدي بنا الى هوة سحيقة لو أتاها صاحبنا عمرو سعيًا وراء كنزه لما وجد فيها سوى ظلمة حالكة هي ظلمة القبر وبردًا قارسًا هو برد النهاية التي يقف عندها كل سعي وكل جموح ...
ولو شئنا البحث في هذا البلد الأمين عن بعض تلك الكنوز الكمينة التي نحن بصددها لوجدنا أحدها بحجم جبل هائل ، رابضًا ربضة أسد جبار كله الحديد فالتزم مكانه ينظر الى الأفق نظرة لوعة وتحسر ... ذلك الجبل
هو جبل « عامل » الذي قد نكون أكثر إصداقًا للقول لو سميناه بالجبل البائس او الجبل المحروم ..
وليس لي ان اتبسط في شرح الضيم والحيف الذي يشكو منها هذا الجزء العزيز من الوطن فما علي إثبات ذلك الا ان ادعو من له عينان كي ينظر بتينك العينين فانه ولا شك مشاهد هناك من ضروب البؤس والحرمان أضعاف ما قد يستوعبه وصف او بيان .
انما الذي أهدف اليه في هذا المقام هو التحدث عن خدمات جليلة يقدمها فريق من فضليات نسائنا يؤلفن « النهضة النسائية » سعين سعيًا مشكورًا بكل ما اوتين من وسائل وإمكانيات لخدمة ذلك الجزء العاملي المتألم من هذا الوطن العزيز فأسسن في بعض قراه سلسلة من المدارس لتعليم الناشئات من الفتيات وتربيتهن فحققن بذلك خطوة جديدة مباركة نحو ايجاد « التعويذة » التي من شأنها القضاء على « مارد » آخر من مردة الجهل والبؤس الذين يقفون حجر عثرة في سبيل تفتح جبل عامل للنور ومساهمته في خدمة البلاد بكنوزه التي لا شك انها كثيرة وعميمة الخير لمن يأخذ عناء البحث عنها .
ولقد أتيح لي مؤخرًا الاشتراك مع رئيسة « النهضة » الموقرة السيدة افلين بسترس والعضوات الفاضلات : السيدة حنينة طرشا والسيدة ادلايبيد ريشاني والسيدة اسماء عيسى والسيدة
جانيت تادرس في احدى دوراتهن التفتيشية في القرى العاملية فرأيت من مظاهر نجاح اولئك السيدات الفاضلات ما تقر به عين كل من احب هذا الوطن واخلص في خدمته .
لقد تملكني العجب عندما رأيت السيدة الوقورة افلين بسترس ورفيقاتها الفاضلات يتحملن لساعات طوال كل انزاع المشقة للتنقل على طرقات تزيد احجارها على ترابها وتفوق اخاديدها بالعدد على الاحجار والتراب ، وقد احسنت الرئيسة الفاضلة بتوجيه الحديث خلال هذه الرحلة الشاقة فانتقت فلسطين تتحدث عنها الينا حديث العواطف الفياضة والوطنية الجارفة التي يزول معها كل اثر لمشاق الرحلة ، واحجار الطريق ، واخاديده راغمة الأنف ، ولواء فلسطين الجريحة ولواء الثأر لجبل عامل العزيز من مردة الجهل والشقاء باسم خفاق في الفضاء.
في مكان ضائع فيما بعد حاصبيا ، في قرية « ميس » الهادئة ، شهدت بعض الاعين لاول مرة في حياتها صورًا تتحرك في الظلمة تبعث بها الآلات التي حملتها الى ميس سيارة فضية اللون كانت ترافق سيارة سيدات « النهضة » ،
ولقد أعجب سكان ميس اعجابًا كبيرًا بالنصائح العملية التي حملتها اليهم تلك الصور المتحركة الجميلة والتي تهدف الى ارشادهم لما فيه خيرهم في العناية بصحتهم وباعمالهم في البيت والمزرعة والحقل . ولم تدخر فتيات مدرسة [...]

