منذ مائة وعشرين عاماً مضت توفي في لندن « ويليام بليك » (William Blake) الشاعر والرسام والنابغة والرجل الشاذ الغريب الأطوار . مات في السبعين من عمره وما زال مصدر وحيه الأدبي والفني براءة خياله الدراماتيكية العنيفة التي تشبه براءة خيال طفل حساس تشوبه خبرة بالآلام والمحن ، لو وجدت في غيره لجعلته حاقداً متشائماً ، ولكنها أثارت في « ويليام بليك » ثورة نفسية وحفيظة أدبية .
من العسير على من يدرس سيرة بليك أن يحدد مواضع النقد في حياته الأدبية . أكان شاعراً من كبار الشعراء ، أم رساماً مجيداً ، أم فيلسوفاً نابغاً ، أم صاحب رسالة جديدة في الحياة ؟ الحق أن بليك كان مزيجاً من الشاعر والرسام والفيلسوف معاً . فقد كان رسمه كشعره وسيلة للتعبير عن فلسفته ، ورسالته في الحياة . وهو يمتاز عن غيره من الشعراء والرسامين والفلاسفة بأنه لم ينأ بنفسه عن جماهير الناس ليدرسهم عن بعد ويسجل ملاحظاته عليهم ويكتب عنهم كما اعتاد غيره أن يفعل ، فقد نما شعره ورسمه ، وترعرعت فلسفته من حياته اليومية ومن شعوره بوجود الله ومحبته . فقد كان مؤمناً في كل لحظة من لحظات حياته بوجود الله سبحانه وتعالى ، إيماناً مستمداً من حقيقة وجوده هو نفسه . ولم يكن ينظر إليه عز وجل نظرة علماء الدين والقساوسة ، ولكنه كان ينظر إليه تعالى كنور الحياة والحب نور الشمس من نوره وقوة الريح من قوته ، تتمثل قدرته للقلب الإنساني في جميع مظاهر الحياة .
ولم يكن بليك يريد أن يجعل من نفسه علماً مشهوراً بين كبار الشعراء ، ولا أن يكتسب لنفسه اعتراف العالم بأنه رسام موفق . ولكن الأمر الوحيد الذي كان يهتم به هو رسالته إلى هذا العالم . فقد كانت تتجلى في الشعر أحياناً وفي الرسم أحياناً ، وأحياناً في الشعر والرسم معاً ، في تلك الكتب الجميلة التي تمتزج فيها القصائد بالصور فتكون في مجموعها تحفة فنية متناسقة وإن كانت كل منها تغذي ذهن القارئ وترهف إحساسه وشعوره باختبارات هذا الشاعر الفيلسوف .
والغريب في أمر بليك أنه لم يتدرب تدريباً فنياً بما يفهم من هذه العبارة ، اللهم إلا ما استفاده من عمله كمساعد حفار . فرجال الفن الوحيدون الذين أثروا على منهجه الخاص هم أولئك المثالون والمهندسون المجهولون الذين ظهر فيهم في الكنائس البريطانية التي بنيت على الطراز القوطي في القرون الوسطى . كما تأثر أيضاً بميشلانجلو ( Michaelangelo ) ، فقد أخذ عنه بليك تغاليه في إظهار دقائق الجسم البشري الذي تبرز فيه العضلات المستديرة المفتولة بأحجام ضخمة على أجسام جبارة . فقد جعل من منظر الجسم البشري على هذه الصورة رمزاً لمقدرة الإنسان الكامنة



