وبطولته في الحياة . فأنت ترى في كل صورة له حتى في تلك الصور التي تمثل الآلام والعذاب نوعاً من البطولة المثالية أو المميزات الرمزية التي تجعل من كل رجل رسمه بليك آدماً رائعاً أقصى لساعته عن الجنة . فإن بليك لم يرسم رجالاً عاديين ولكنه أبرز في صوره الرجل في أروع مظاهره .
وما يكاد المرء يقرأ شعر بليك أو ينظر إلى صوره حتى ينتقل في لحظة إلى عالم جديد من الفكر والخيال . فقد كانت لدى هذا الشاعر الفيلسوف قدرة على أن يكتب مقطوعة شعرية لا تتجاوز بضع كلمات يتحدى بها مدارس الفلسفة بأسرها ، ومن ذلك قوله : « إن طيراً في قفص »
« يثير غضب السماوات جميعاً » .
فهذا البيت الواحد من الشعر الانكليزي يحوي فلسفة الحب الكوني بأسرها .
وعلى هذا النحو نجد أن جميع صور بليك تمثل بدرجات متفاوتة فصولاً رمزية من تلك المأساة العالمية العظيمة ، مأساة الخطيئة والحب . فجميع صور الرجال التي رسمتها ريشة بليك تمثل لنا أوادم طردوا لساعتهم من الجنة . ولكن في كل منهم مسحة من البطولة الملائكية التي تجعلهم يستحقون النجاة من عقاب الخطيئة ، ألا وهو الموت .
ولم يكن بليك أبرع الرسامين المعبرين عن فكرة معينة ، فقد امتاز عنه الكثيرون من هؤلاء . فهو لم يقصد أن يبرز في صوره مظاهر الحياة اليومية الدنيوية ، وإنما قصد أن يبرز في صوره مأساة حياة أوسع هي مأساة الفضيلة والرذيلة ، مأساة روح الإنسان وحب الله . وكانت له خصائصه الفنية ولكنها خصائص متعمدة مقصودة . وكانت هذه الخصائص ضرورية لما أراد التعبير عنه ضرورة المآسي التي أراد إبرازها في صوره . وليس أقدر على إبراز مهارته كفيلسوف رسام من تلك الطريقة الجريئة التي يلتجئ فيها إلى خصائصه المذكورة لأنها تعطينا صورة صادقة عن نفسه ، لا يخشى مطلقاً أن يظهرها على حقيقتها . ولا يميل أبداً إلى الكبح من جماح وحيه بدافع من حب الشهرة أو الربح . فهذه الخصائص أعظم بكثير من أن تكون مجرد حيل مألوفة أو عادات في الأسلوب الفني ، إذ هي نوع من المقدمة التي لا بد منها لعمله الفني أو هي الوسيلة التي كان بها وحدها يستطيع أن يعبر عن روعة ابتكاره الذهني وجدته .



