
إن اهم العقود في العلاقات الانسانية، واقدس الوثائق هو عقد الزواج ووثيقته. فالزواج هو الرباط الذي باركه الله واراده أن يكون مكيناً بالصلات الروحية الجامعة.
وقديماً قبل نزول الديانات السماوية كانت الرابطة التي تجمع بين اعضاء الاسرة، عند الرومان والاغريق مستمدة من عقيدتهم الدينية. والدين كان وحده المبدأ الاساسي لقانون العائلة القديمة.
ومن هنا، كان كيان العائلة في اعتماده على الديانة مصاناً ثابتاً، مختلفاً اختلافاً كلياً عما لو كان يعتمد على العواطف والميول الطبيعية، او على المولد والقوى الجسمية.
ولقد كانت من عادة الكتبة من اللاتين والاغريق أن يعيّنوا الزواج بكلمات تدل على انه عمل ديني. فبوليكس Pollux الذي عاش في زمن Antonius احد الاباطرة الرومانيين، قال: «إن الزواج كان يعين قديماً بكلمة معناها: الاحتفال المقدس».
ولقد كانت العروس عند الاغريق. تلبس ثوباً ابيض. والبياض كان لون الثياب في المناسبات او الاعمال الدينية. وكانوا يُنشدون حولها نشيداً دينياً مقدساً. ويقيمون الحفلات الدينية في بيت العروس، ثم في بيت العريس حين حضور الزوجة.
ولقد قص علينا الزمان في بطون التواريخ، قصص البشر. فرأينا أن اهم ما تتميز به الامم المتحضرة، تقديرها لعلاقة الزواج على انها رمز النظام الاجتماعي واسّ السعادة الفردية فتبنته بقوانينها المدنية كما أقرته شرائعها السماوية. ورأينا أيضاً ان الامم في دور الاحتضار تميل الى اهمال وتحقير حرمة الزواج بأعمالها المخلة بنظامه المسنون. فهذه الامم
تميل بمجموع اعمالها عن حياة الجد الى حياة اللهو والعبث والمجون. وهذا العبث وذاك الاهمال كانا من اهم اسباب انحطاط القوى الروحية والمعنوية. هذا الانحطاط الذي يسوق عادة الى الفساد فالتدهور والخراب.
وهذه الاحوال في حياة الامم تستتبع انهزام المرأة في ميدان الكرامة، وتقهقر الرجل في ميدان البطولة والنخوة والمروءة.
وهذا بلا مراء يُثبت في اعماق النفس الانسانية عوامل الخير، وسيجرّ الى المادية الثقيلة التي تُغرق الانسان في لجج الذات العقيمة. فتطبق على قلبه ظلمة الانانية في اغوار الاهواء ومجاهل الاحلام. وتنقض المطامع على روحه بنواجذها القاتلة فتطفئ منها ضوء المحبة والاخلاص.
وكل فرد - رجلاً كان او امرأة - اذا ما اقبل على الزواج يجب ان يعلم انه وثاق قدسي. وسبيل الى جنة مطهرة من النفعيات الذاتية. يتلاشى فيها البغض والحقد والاثرة. ويحيا بها الحب والاخلاص، والتضحية والايثار. واذا ما روعي وثاق الزواج. واحيط بما يجب من الاحترام احتمى برج الاسرة من التهدم وصين النشء من التبلبل والقلق. وحُفظ من التشاؤم والوهم - الذي يسوّد امام بصيرته ميادين الجهاد - فتنكشف امامه سبل المكرمات وتبرز الشخصيات بامكانياتها التي لا حدود لها وطاقاتها التي لا تغلب.
ألا وليعلم الانسان، أن كل جريمة
داخل حرم الاسرة تعد جريمة بحق المجتمع، هدامة لكيان الوطن، هدامة لوجدان الانسان، مبيدة لهنائه وسعادته ومناه. اما من ربطوا زواجهم برباط الكسب المادي، فما ربحت تجارتهم، بل هم تجار خاسرون. لاننا كثيراً ما نشاهد، أن احداهن تزوجت فلاناً لغناه وماله فقط، فما ان ذهب المال حتى اصبحت الحياة العائلية جحيماً يتلظى بسعيرها المرأة والرجل على السواء. وكثيراً ما سمعنا ان فلاناً تزوج بواحدة رغبة منه بوفرة مالها، فقام النزاع بينهما، هي تمسك وتبخل. وهو يطلب ويطمع وينتهي الأمر بشقاق وشقاء مر مربع. وكم من مآس تتمثل على مسرح مثل هذا الزواج.
ولقد طغت علينا من الغرب موجة المادية العاتية التي طبعت هذا العصر بطابع لا يدعو الى التفاؤل فاوجدت عندنا مشاكل أدت في كثير من الاسر الى توجيه افرادها الى هدف وحيد، هو جمع المال. وهذا كله يرجع الى ما تطلبه الحياة الحاضرة من البذخ والاسراف. وما تميل اليه المرأة من محاكاة غيرها بوسائل البذخ والزينة. فراح بعضهم يجمع المال ولو بشتى السبل المشروعة وغير المشروعة. حتى اقدم الكثيرون على الاجرام بتضحية افراد، لا بل احياناً بتضحية امم واوطان على مذبح الجشع وحب المال.
ونحن نعلم أن حب المال من الاسباب التي تفكك روابط الزواج. فالمطامع والجشع سموم تجري في عروق الأسرة وتسبب المرض والموت الادبي والانحلال الخلقي. وهي غيوم مكفهرة في فضاء البيت تمطر الغش والخداع والخراب. أليست هي الاسباب التي تدفع المرأة احياناً الى ايجاد القلق والشقاق في العائلة،
( البقية على الصفحة ٢٥ )
