وطني أيها الغرباء في كل وطن: اليكم النجوى.
«اتالا» (١) ابنة سيد احدى قبائل الهنود الحمر باميركا، تشجى لمحنة السجين الابيض يفيض له قلبها رحمة وحناناً. في دياجي الليل تحمل له نور الامل، بشرى الخلاص فالى الحرية والانطلاق في رعاية العين التي لا تنام.. لقد اخذا من سمو الحب موثقاً من الوفاء دليلاً..
هوذا قارب يحمل الاثنين عند السحر يغذ السير بين مخاوف واخطار في خمسة عشر يوماً وليلة، واخيراً ها هما في مأمن والشمس تنحدر للمغيب، وفيض قدسي من اشعتها الحمراء ينسكب على الماء والاجواء، والسكون العميق يلف المكان والقلبين في جلال غامر، لينثال من الجوانح صلاة... نجوى، ترسلها اتالا للوطن الذي يتوارى في الافق:
«سعداء اولئك الذين ما قضوا العيد والتم شملهم الا في ظلال الاهل. وارض الوطن، وما شهدوه، عند الغرباء..»
... اذا قال طائر «المسيسبي» لطائر «فلوريدا» الشريد: لم اضحى تغريدك نواحاً، ومالك ذاهب القلب فياض الحنين اما لديك هنا المياه الجميلة ووارف الظلال وكل ما في مروجك من غذاء واعشاب؟! اذن لاجابه الطائر الهائم: اجل، هنا كل ما تذكر، ولكن... عشي هناك... بين اغصان الياسمين فمن يحمله الي؟! والشمس المتألقة على مرجي الحبيب عندك مثلها؟؟...
«سعداء اولئك الذين ما قضوا العيد والتم شملهم الا في ظلال الاهل وارض الوطن، وما شهدوه، عند الغرباء..»
هوذا المغترب بعد جهد وطول عذاب يحط في البلد البعيد، يرسل البصر حوله، يتأمل الابنية والناس، هل له من مكان يريح فيه رأسه المجهد؟! لا! لا الله..
هوذا: يطرق الابواب، يلتمس مأوى يظل غربته.. وسيد البيت يقلب يديه اسفاً! وانه ليرتد - وارحمتا له - قانطاً، يحمل رحله، ويعود ليضرب في البيداء ثانية مشرداً..
«سعداء اولئك الذين قضوا العيد والتم شملهم الا في ظلال الاهل وارض الوطن وما شهدوه، عند الغرباء..»
هناك: في رحاب الاسرة، اذ يستمعون لروائع القصص، تغمرهم انداء الحنان وسخي العواطف تسعدهم التقاليد العزيزة - اغلى واعذب ما في الحياة - تضفي ذكرياتها المسعدة على اوقات اولئك الذين لم يغادروا ارض الوطن، اروع المباهج! هناك... في ثرى الوطن الحبيب، تتفيأ قبورهم ظلال الشمس الغاربة بين دموع الاصدقاء واشعة الايمان...
سعداء اولئك الذين ما قضوا العيد والتم شملهم الا في ظلال الاهل وارض الوطن، وما شهدوه، عند
الغرباء...»
- وطنك أيها المغترب: أولا تذكره في غربتك؟! هلا حملت معك قبضة من ترابه تذكرك فيه كما ذكره الفنان العبقري شوبان، وقد استعبدت بلاده بولنده، ولكنه، وهو مصدور واهن، لا يستطيع النضال كاخوانه، وقد ألحوا عليه بالرحيل، وحمل عليه قسرا، وليؤدي رسالة بلاده وينفث آلامها في كل مكان يحل فيه، وتلك حفنة من تراب الوطن حملوه إياها لتذكره به.! أو هل كف شوبان عن الغناء وقد قهر وطنه؟! لا! لقد ظل يرسل كفاحه له ألحاناً.. ألحاناً لها قوة الحق، وعبق الوفاء! كان شوبان معذباً في منفاه حقاً، يحس لهيب الظلم الذي يجتاح وطنه أطواء قلبه وحناياه، إذ كتب إليه صديق يقول:
«ضع نصب عينيك صورة بلادك، قوميتك، ثم قوميتك..
وكما يوجد اجواء وطنية، كذلك هنالك نفثات وطنية، تغنّ بجبالنا، بغاباتنا، بمياهنا، بمروجنا، كل هذه تنطق بلغة الوطن، كلها تغنى أغانيه..!»
( البقية على الصفحة ٤٣ )

