« هل تحبيني يا ماما ؟ » قالها لي طفلي مرة ، وكانت اجفانه تسترخي بهدوء ، وهو في سريره ، والنعاس يدب الى عينيه دبيباً رقيقاً حنوناً ، فاغمره الى صدري ، واقبله بلهفة وأؤكد له شدة حبي ويغمرني صغيري الى صدره كذلك ، ويضمني بكلتا يديه وتنفرج اسارير وجهه عن ابتسامة عذبة وطمأنينة هادئة وتنطبق اجفانه على مثل ما تنطبق عليه اجفان الوردة في الليل ويغفو على صدري وفي فمه خيالات من عالم سعيد هانئ .
« هل تحبيني يا ماما ؟ » سؤال قالها طفلي ، وهو على صدري ، بين الغفوة واليقضة ، في الهنيهات التي يكون فيها الطفل خالي الذهن ، هبشاً مستسلماً يحوم النعاس بأجنحته الرفافة على عينيه ، فأيقظ في نفسي تلك الليلة ، وفي الليالي التالية كثيراً من الدهشة والاستغراب وكثيراً من العوامل النفسية العميقة وكنت اتساءل ، ما الذي دعاه الى هذا السؤال ، واعيد في مخيلتي كل ما استطيع تذكره من حوادث حياتي معه وحياته معي ، لعلي اهتدي الى ما قد يكون سبباً لهذا القلق في قلب طفلي ..
يومها احسست ان طفلي بحاجة لغير الكساء الذي يدفي جسده ، ولغير الطعام الذي يغذي دمه ، احسست انه بحاجة الى ما هو اعظم وابقى وانبل ، هو بحاجة لمحبتي ، لكل محبتي ، ان محبتي وحدها تغذي طفلي ، فروحه تحتاج لدفء من روحي ، وجسده بحاجة لكسوة من جسدي ، وغير ذلك باطل لا معنى له ولا قيمة له عنده .
وطفلي هذا ، واحد من اطفال الناس في هذا البلد ، الذين هم بحاجة الى المحبة الصافية العميقة ، يفتشون عنها في احضان امهاتهم وآبائهم . فالكساء لا يدفي القلب
والطعام لا يغذي الروح ، والعطاء وحتى التعب والكد في سبيل اطفالنا كل هذا لا يؤمن لهم تلك الطمأنينة الروحية التي لا يجدونها الا في محبتنا وحناننا .
« هل تحبيني يا ماما ؟ » واية ام لا تحب ولدها ولا تعطيه من قلبها وحياتها ، ليبقى له قلبه وحياته ، غير ان هذه المحبة كثيراً ما تتخذ اشكالا من المعاملات تؤثر في هذه النفوس الطرية الحساسة تأثيرات مختلفة وعلى ضوء هذه التأثيرات تتربى هذه الطفولة وهي تحمل في قرارة نفسها كثيراً من الاحساسات البعيدة المدى التي رافقتها في ايامها الاولى .
وهذه المحبة التي اعنيها ليست المحبة المائعة التي تسيطر على الامهات في تربية اطفالهن ، فيشرس معها خلق الطفل وتنمو فيه روح السيطرة والسلطان ، فيصبح في البيت الآمر الناهي الذي لا يرد له مطلب ، ولا هذه المحبة الخائفة الجبانة التي تخشى هبات النسيم واشعة الشمس ، فينشأ معها الطفل جباناً خائفاً .. ولا تلك المحبة المكبوتة في صدر الاب والام ، تتخذ مظاهر بليدة من القساوة والصرامة والسلبية العنيفة التي تربي في الولد روح الثورة والجنوح الى القلق والتمرد ، ولكنها المحبة الرفيقة الهادئة ، والعطف المتبادل ، والايناس اللطيف والجو الهاني الحنون ، الذي يغمر البيت بالفرح والجمال ، والمحبة التي اعنيها هي المحبة التي يأنس فيها قلب الطفل الى قلب ابيه وامه فلا يقف
بينه وبين هذا القلب ، اي حاجز مصطنع من الرزانة والعبوس والقناعات المزورة فيعيش ضائعاً غريباً في بيته وبين ابويه ..
كثيراً ما نسمع اماً تؤنب طفلها لقذارة ثيابه ويديه ، او لعمل ما قام به : « انا ما عدت احبك وانت على حالك هذه من القذارة ! » ويتوارى الصغير دون ان يفوه بكلمة .. وتحسب امه انها بقولها هذا قد استعملت معه اكثر الوسائل التربوية نعومة وابعدها عن التأثير به ، وفاتها ان مثل هذه العبارة القاسية وقفت بينها وبين ابنها حاجزاً لا يمكن له بعد ذلك ان يتخطاه، وانها حطمت قلبه الصغير بضربة قاسية .. فهو لا يخاف يدها تتناوله بالكف القاسي ، ولا يخشى كثيراً ان تحرمه من العابه ومن طعامه ، ولكنه يخشى كثيراً ان يفقد محبتها وهو لا يطلب غير محبتها .
ان مثل هذه الام ، تستخدم عواطفها سوطاً تجلد به اطفالها وتنسى ان هذا الطفل لن يأنس بعد ذلك للحياة ، ولن يعيش في جو هنيء ، بعد ان ظن انه قد اضاع حب امه ، ذلك الحب الذي هو اثمن ما يملكه الطفل واكثر ما يحرص على امتلاكه ..
وكم من طفل في هذه البلاد نشأ دون ان تتغذى روحه بالغذاء الروحي ، فيحرص والده على انجاز واجباته نحوه على خير وجه ، دون ان يعير الناحية العاطفية في حياته اهتماماً جدياً ، فهو مثلاً لا يخاطبه الا ويقنع وجهه وصوته بقناع رزين مصطنع ، ليس فيه اثر للعاطفة او اعلان للحب الابوي الحنون . والطفل الذي لا يذكر ان اباه اجلسه مرة في حضنه واسمعه حديث القلب للقلب يكبر وفي قلبه جفاف وجذب ، وفي روحه جفاف
( البقية على الصفحة ٣٧ )


