

يتابع الدكتور عفيف مفرج ، في هذه المجلة ، البحث العلمي العميق ، عن مرض السل ، وقد تناول في الفصلين الأولين ، قدمية العراك بين الانسان والسل ، مستعرضاً الأطوار التي رافقت ذلك العراك . وها هو يعود لمتابعة البحث في هذا الفصل الأخير داعياً إلى الإسراع في القضاء على هذا المرض . إن « صوت المرأة » شاكرة للدكتور مفرج انه خصها بهذا البحث الصحي الجليل .
لم ينحصر السل يوماً من الأيام في طبقة معينة من الشعب ، أو في مناطق خاصة ، كلا بل هو يتسرب إلى كل الطبقات دون استثناء . على أنه لا بد من القول أن السل هذا عرف منذ القدم بكثرة تفشيه بين طبقة العمال والطبقات ذات المدخول الضئيل ، وما لا ريب فيه أن الحاجة التي دفعت بهذه الفئات من الأمة إلى العمل المتجاوز حدود الطاقة وحتى إلى تشغيل النساء والأولاد هي بعينها من أسباب ازدياده وانتشاره .
ولقد دلت الإحصاءات التي جرت في الولايات المتحدة أن ستين ألفاً يموتون سنوياً بالتدرّن الرئوي ، وأن نصف هذا العدد تقريباً يتألف من الرجال والنساء الذين ما برحوا في زهرة شبابهم - في السن الأكثر إنتاجاً والأوفر مسؤولية .
وهنا أريد أن أوجه إلى أولياء الأمر السؤال التالي : أين الإحصاءات المعدة في بلادنا لترجع إليها كأساس لأعمالنا في الحاضر والمستقبل ولنعرف بواسطتها الوضعية الصحية في البلاد ونعلم موقفنا من هذا القبيل ، بالنسبة إلى البلدان الأخرى ؟؟
أمن مصلحة الأمة أن تهمل مثل هذه القضية ؟ .
أليس أن الإحصاءات الدقيقة هي الطريقة الفضلى لإيضاح حالتنا الراهنة ؟ أو ليست المقياس الصحيح الذي منه نستنتج وضعيتنا وبه نقيس مدى التقدم أو التقهقر فنعلم في أي موكب نحن
سائرون ؟!
إلا أن معرفة الأمر الواقع يتوقف عليها لحد بعيد - سير النجاح والإصلاح هذا ، ومقاومة السل يجب أن تكون عامة كونية في كل البلاد وبين كل الطبقات - بين الأغنياء والفقراء في المدن وفي القرى ، وإلا كان العمل فاشلاً لأن العالم اليوم - بفضل سهولة المواصلات وسرعتها - أصبح من حيث اتصاله ببعضه البعض وتشابك مصالحه ، واتساع تجارته ، كبلد صغير مترابط الأجزاء توثقت العلاقات بين مجموع أبنائه مما جعل عدوى هذا المرض سريعة الانتقال ، فالسل في لبنان مثلاً يهدد الحالة الصحية في أميركا إلا إذا اتبعت جميع البلدان طريقة الولايات المتحدة ألا وهي أن كل من يشاء المهاجرة إليها لا يرخص له بذلك إلا إذا أبرز شهادة صحية مصحوبة بالتصوير الكهربائي للتأكد من سلامة صحته وخلوه من أي علة تدرّنية فيها من خطة رشيدة حكيمة ! وليت أقطار العالم كلها تتقيد بها ، إذ من الخير العام السير بمقتضاها ..
ولا بدع إذا عمدت الولايات المتحدة إلى وضع هذه الخطة والعمل بموجبها وهي التي تتصرف بكل ما حباها الله من قوة وعلم ومعرفة إلى تطهير شعبها من جراثيم السل ، فكيف يعقل أن تفسح له المجال ليتغلغل فيها من الخارج .
وإننا إذا شئنا القضاء الكامل على مرض السل يتحتم علينا التقيد بالتعليمات الآتية :
١ - التصوير الكهربائي لكل فرد من الأمة وبنوع خاص لمن ينتمون إلى الطبقة الأكثر تعرضاً لهذا الداء .
٢ - مداواة كل مصاب مداواة فعالة دقيقة إلى أن يتم الشفاء .
٣ - استفراد من يمنى بهذا الداء منعاً لتفشيه وانتقال الجراثيم للغير .
٤ - نشر التعليمات الوافية عن هذا المرض وتبين مسبباته وطرق عدواه .
٥ - يجب ألا تحصر مقاومة السل بالمعالجة الطبية فقط بل ينبغي أن نعالجه معالجة طبية واجتماعية ، واقتصادية إذ كلنا يعلم أن الفقر - على الغالب - يولد المرض والمرض يولد الفقر وهكذا دواليك .
وبما أنه يتعذر علينا بالنسبة لحالة البلاد الاقتصادية أن ننجز هذه الأمور بمجذافيها وبوجه شامل ، فلنباشر بها ولو في دائرة أضيق مبتدئين بتطبيقها على الجيش ، ومعلمي المدارس والتلاميذ وعمال الفبارك ، وإدارات الشركات واللوكندات والمطاعم والأفران ومستخدميها إلى أن يحين الزمن ويقيض لنا أن نجعلها شاملة لكل فرد من أفراد الأمة .
وليس من مرض يتطلب التغلب عليه اهتماماً في الصحة العامة والفردية مثل هذا المرض ، وعليه فمحاولتنا استئصاله من البلاد تذهب أدراج الرياح إذا نحن حصرنا عنايتنا في فئة من الشعب معرضين عن الأخرى لأنه ينتقل بسرعة من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى بيئة لا بل من بلاد إلى بلاد .
