أسرعت صعداً على سلم الطابق العلوي من المتحف حيث توجد عدة مدارس للتصوير ، أهمها مدرسة ( البندقية ) و ( النابوليه ) وغيرها للقرن السادس عشر وما بعد . هنا في الغرف الرحيبة تتصدر بجلال لوحات العباقرة ( تيسيان ) و ( فيرونيز ) و ( بالما ) و ( كوريج ) و ( كارافاج ) وغيرهم ممن اشتهر وانجذب اللون وغنى المواضيع . فبدت أمامنا الصورة الشهيرة L’amour Sacré et profane لتيسيان وهي من أشهر اللوحات العالمية ، ثم صورة الزهرة آلهة الحب تبيع ملائكته لمن يشتهيه ، ثم لوحة Antiop et Baccus للفنان ( كوريج ) وقد امتاز هذا الفنان برصانة الرسم وغنى اللون وعذوبة التأليف وعمق التعبير . ثم صور ( الفيرونيز ) بقوتها وهدوئها وصور العذراء مع الطفل يسوع للفنان Lippi . ومن أبرز لوحات المدرسة النابولية ، التي تحتل مكانها هناك بكل وقار ، لوحة الفنان ( كارافاج ) كبير فناني نابولي وصاحب طريقة الظل والنور الصارمة والواقعي الشديد ولوحته هذه تمثل ( يسوع يطرد التجار والسماسرة والفريسيين من الهيكل ... ) ولوحته المشهورة ( الغشاشون ) وهي منتزعة من صميم هذه الحياة البشرية المنطوية على الغش والخداع ... وقد كان هذا الفنان
مكروهاً ومنبوذاً من مواطنيه لأنه كان يصدقهم الخبر ويمثل دجلهم وخداعهم ويفضح أساليبهم النكراء ، فعاش حياته بعزلة وبؤس . ولكنه كان يسير في الشارع مرفوع الرأس يحدق بالناس ملء عينيه وهم يخفضونها للأرض ذلاً وخجلاً ... وقد سجن مرة لصراحته ولكن ما لبث أن أطلق سراحه . وبالقرب من لوحاته القوية الثائرة ، نجد لوحات الفنان الورع ( Carlo Dolce ) الدينية المليئة بالرقة والحب والحنان ثم زميله اللاهوتي ( Sassoferrato ) وعذراءه السماوية ويسوعه مثال المحبة والرحمة . ولشدة إعجابي بها نقلت صورة عنها . وفي العصر الحديث صورة ( التركة ) للفنان ( Patini ) فهي قطعة إنسانية تفيض بالألم والأسى وهي صورة عن روح هذا الفنان المعذب البائس . وهي تمثل قروياً معدماً مبناً ملقى على خرقة بالية في وسط غرفة صغيرة خلت من الأثاث ما عدا معوله وأرملته المنكبة في ركن الغرفة المظلمة على وجهها ، وكأنها قطعة من الهم والشقاء تبكي زوجها وأمامها طفلها وبقربه بصلة وبضع حبات من البطاطس ، هي كل ما تركه له أبوه من ثروة ... وقد أحب الفنان أن يتهكم ، فوضع صورة العذراء وفوقها غصن من الزيتون فوق الموقد الذي خبت ناره ولم يبق
منها سوى بقية من رماد . لله ما أعظم الفن الصادق المنبعث عن القلب الذي يطلب وجه الحق وحده ولا غيره ... أمام هذه اللوحة خاصة لمست عظمة الفن الإنساني وأثره على الناس ، فكنت كلما زرت هذا المتحف وجدت جمهوراً من الناس يتألب حول هذه اللوحة وكلهم خاشع ترتسم على وجهه شتى التأثيرات النفسية ، وكثيراً ما كنت أشاهد دمعات تنساب على الوجوه . هو نوع من التربية الوجدانية جهلها هذا الشرق ولا يريد أن يتعرف إليها ... هو يريد أن يفر من مسؤوليته الوجدانية ، ويريد أن يترك أبداً الباب مشرعاً على مصراعيه ، للفرار والهزيمة ... والتمويه وعدم الاعتراف بالواقع !! حقاً إنه ليضيق بي وصف ما أشاهده


