« كنت افكر في درس الطب ...
ثم شاءت الظروف ان اصير معلماً .. »
ردّد هذه العبارة امامي اكثر من معلم
فسمعتها صامتة ، في حين كنت استشف
من خلالها عقدة النقص التي تصيب اكثر
المعلمين - ولا اقول جميعهم - فاحاول
تحليلها واستجلاء اسبابها وفي نفسي
مرارة وألم .
هل يولد الانسان معلماً ؟ يرى علماء
النفس ان في كل انسان شيئاً من الميل
الى التعليم والارشاد لكنه عند بعض
الناس اقوى منه عند البعض الآخر .
ولنفرض ان عدداً غير قليل من معلمينا
قد ولدوا معلمين ، فيهم ميل غريزي الى
معاشرة الاولاد وتدريبهم ولديهم مقدرة
على التفنن في اساليب التدريس - والفن
اول صفات المعلم الموهوب - فان اكثر
هؤلاء الموهوبين لا يلبثون حتى يروا
مواهبهم قد قتلت وهممهم قد فترت تحت
ضغط الظروف العصبية التي تحيط بالمعلم
وتضعف من عزيمته .
يرى انه بالاسم في مرتبة اصحاب
المهن العقلية لكنه بالفعل لا يحصل اكثر
من صغار العمال . وهو فوق ذلك لا يرى
لنفسه المقام الاجتماعي وتقدير البيئة الذي
يعزّيه عن الفقر المادي . قد يخفق الطبيب
في مهنته فلا تدرّ عليه شيئاً لكنه يقنع
باحترام الناس وهيبتهم له ويتعزى بلقب
دكتور . وليس الامر كذلك عند المعلم
بل ان ملجأه الاخير ان يتصوف ويذيب
نفسه لوجه الله . وهو امر لا يتيسر الا
للاقلية المصطفاة التي فُطر اهلها على
الميول الصوفية . وهب انه تصوف
ورضي بان يضحّي نفسه في سبيل الخدمة
الانسانية فهو لا يزال حائراً في أي معاهد

العلم يقضي حياته المتصوفة ؛ ومدارسنا
رغم اختلاف انواعها تتساوى في العيوب .
فمنها ما لا يزال في الطور البدائي تسيطر
عليه الفوضى . ومنها التي ابتليت بداء
الرجعية والتعصب الطائفي . ومنها التي
تحتم على المعلم المصانعة والخضوع وانكار
شخصيته . ولعل القارئ يفهم ما اقصد
بكل من هذه الاصناف .
عبثاً يحاولون اغراء المعلم بقولهم ان
عظماء الرجال نظير كونفوشيوس
وافلاطون وارسطو والحجاج والغزالي
كانوا معلمين . فهو يعلم ان هؤلاء لم
يصبحوا عظماء الا حين تركوا التعليم او
جعلوه على هامش حياتهم او منحوه قسماً
قليلاً من اوقاتهم وانصرفوا الى اعمال
اخرى في القسم الباقي . يقولون ان
أينشتين حاول ان يعتاش من التعليم
ويتابع دراساته الرياضية في وقت واحد
ولكن لم يطل به الامر حتى هجر المهنة
قائلاً « ان هذه المدارس ترهق معلميها
ولا تترك لهم وقتاً للتنفس » . وفي مذكرات
معلم اميركي معاصر : « ان ساعة » في
صف الدراسة يقضيها المعلم في ضبط
الطلاب وتلقينهم واحتمال غلظتهم تساوي
ثلاث ساعات في اعمال مكتب . »

