
الكاتب وليد عصره وبيئته . وكل يؤثر في الآخر . فاذا صح ان تنسب الكاتب الى العصر صح ايضاً ان تنسب العصر الى الكاتب فتقول عصر ابي نواس وعصر الجاحظ وعصر فولتير . وتقول ايضاً « عصر مي » باعتبار ان هذه الادبية قد احسنت في ادبها تمثيل الحقبة التي عاشت فيها ، من الناحيتين الادبية والاجتماعية ، كما مثلت بنفسها مرحلة فريدة من مراحل الادب النسائي في الشرق العربي .
ظهرت على الكاتبة دلائل النباهة والنبوغ منذ طفولتها ، كما ظهرت ايضاً دلائل الشذوذ . ولما كانت وحيدة والديها وجها اليها كل عنايتها وحصرا فيها جميع عطفها فتعرضت منذ صغرها لما يتعرض له الولد الوحيد من غرابة في الاطوار ، مصدرها عطف الوالدين المفرط وعنايتها الزائدة . وقضت حداثتها في دير الراهبات فكان جو الدير عاملاً قوياً في حفز خيالها وتوجيهها نحو حياة الفردية والتأمل . ومن ذلك الحين بدأ تكوين شخصية الادبية المفكرة والفتاة الحالمة التي ما لبثت ان نظمت باكرة احلامها شعراً في « زفرات حلم » الفرنسية .
في مدرسة الدير توفرت على درس الادب الفرنسي ، لا سيما الادب الرومنطيقي الممتاز بخياله الجامح وعاطفته المتقدة - ادب شاتوبريان ولامرتين وموسيه - الذي تعنى بتدريسه مدارس الراهبات لما فيه من روح دينية ورقة عاطفية . وفي ظلال حدائق الدير وبين كتب الرومنطيقيين نشأت نفس مي على حب الطبيعة وتعشقها ، كما نمت فيها الانوثة الفاتنة والاحساس المرهف : ثلاث صفات لا بد ان يتبينها كل من يطالع كتاباتها .
وما لبثت ان فتحت عينيها على ادب المجددين من ادباء العرب امثال ولي الدين يكن والجميل وجبران والرافعي والريحاني ، فعكفت على درس العربية في مصر ، وسحرتها بلاغة القرآن كما فتنتها كتابات جبران . وبدأ عهدها الكتابي منذ ١٩١١ اذ كانت بعد فتاة دون العشرين ، على قسط وافر من العلوم ، تتقن اربع لغات عدا الموسيقى والفلسفة وباقي علوم الاجتماع .
ومن ذلك الحين اخذت تكوّن لنفسها اسلوباً متأثراً بالتجديد
الحديث ، فيه ترجيع جبران وموسيقى الشعر المنثور وخيال الرومنطيقية الفرنسية او الالمانية ، واناقة العربية الاصيلة ، وفيه ذاتية الادب المهجري وروحانيته وغموضه وتهاويل صوره :
« واستيقظت في الغد فاذهلني ان اشعر بترضض في روحي وبطعم الغناء في فمي وبأثقال تنبع في صفحة وجداني كأنها احمال الدماء ، وبكى في قلبي لما شهدته من الدعوى الفارغة والتمثيل الكاذب والعاطفة السقيمة » ( من ظلمات واشعة )
واستهوتها قصص البؤس على طريقة هوغو وسان بيير فنقلت عن الالمانية قصة مكس مولر الباكية « ابتسامات ودموع » ولم تخش ذرف الدموع في بعض مقالاتها لان ادب الدموع كان زياً شائعاً .
لكن لها مع هذا اسلوباً ظاهر الشخصية ، لا تمالك حين تقرأه ان ترى نفسية المرأة بارزة من خلال تضاعيفه . المرأة بأنوثتها وظرفها ودقة شعورها وبداهة تفكيرها ، او يخيل لك حين تقرأها انك تسمع صوتاً موسيقياً ناعماً انيقاً يخاطبك او يتلو عليك الكلام بلباقة وذوق . انتقدت في بعض مقالاتها لغة عصور الانحطاط المستعملة في رسائل الحكومة واستطردت قائلة تخاطب مراقب الصحف . « استمعك مزجراً يا سيدي الرقيب ( والظاهر ان الرقابة على الصحف كانت اسوأ ما هي اليوم ) وقد اقترب قلمك من جملتي هذه بقصد الفتك بها . فاصغ اليّ غير مأمور ، لا انت جندي الماني ولا انا جندي فرنسوي ولا هذه الصفحة كنيسة ريمس . فكن حليماً ولا تحذف منها شيئاً ! » .
واذا كتب لاسلوب مي الخلود فالفضل في ذلك يعود الى هذه الشخصية الفذة البارزة من خلال السطور ، لان عهد التألق العاطفي والنثر الموسيقي قد دالت دولته او كادت في هذا العهد العلمي الذي يريد القصة مكتوبة بلغة الحياة ويريد المباحث مكتوبة بلغة العلم التحليلية او لغة الصحافة القريبة من العامية ، ويترك للشعر وحده صفة الاناقة الشعرية ، ويسيطر فيه ادب القصة والمسرحية ، وليس لمي شيء منها .
ولهذا رأينا ميخائيل نعيمه في كتابه « الغربال » يحمل على
