بعض كتابات مي ، مع اقراره لها بالموهبة الكتابية النادرة . يأسف لما اضاعته من وقت في ترجمة قصة الحب الالماني لمكس مولر وهي في عرفه قصة غير جديرة بالاهتمام لما فيها من رقة مصطنعة ونعومة تدنيها من « السانتينتاليزم » ، كذلك يلومها على خوض مواضيع فلسفية لا يجسر على مجابهتها كبار الفلاسفة نظير محاضرتها في « غاية الحياة » التي صاغتها باسلوب انيق وعبارة مصقولة لكن الفكرة فيها حائرة تتلمس طريقها فهي « كتمثال من رخام لكن روحه مدفونة في قلبه الحجري » .
ونحن مع اعتقادنا ان الكاتب اصاب في انتقاده ؛ يجدر بنا ان نذكر امرين : اولا ان الادب الرومنطيقي على طريقة مكس مولر كان الزي الاخير في عهد مي كما اشرت سابقاً . ثانياً ان الكتابة العلمية التي تتناول المواضيع الفلسفية والاجتماعية بطريقة العلم الصارمة وتحليله الدقيق لم تكن بعد معروفة في عصر طغى فيه ادب اللفظ . ولم تعدُ مي اساليب عصرها حين طرقت موضوع «غاية الحياة». وكل ما نرجوه اليوم ان نكون قد اعتقنا من زي الادب العاطفي ذي الرقة المصطنعة وجاوزنا طور ادب اللفظ الى ادب المعنى فلا يبقى بيننا من يصفّق لمقالة او محاضرة لم يفهم منها سوى رنة الالفاظ .
في عهد مي اخذت المرأة لاول مرة تتململ في مقعدها وتزحزح ستائر خدرها محاولة التحرر والثورة على التقاليد . وبفم مي نسمع شكوى احدى الفتيات من اهلها الذين يفتحون مكاتيبها وشكوى فتاة اخرى من اهلها الذين يريدون تزويجها بمن لا تريد ، فتسعى لكسب عطف اخيها الاصغر الذي يمثل الجيل الناشيء ، وتنتزع رضاه عن موقفها وتحبيذه لخطتها في معاشرة الفتى الذي تميل اليه .
في عصر مي لم يكن في الجامعة المصرية فتاة مصرية واحدة ، كان فيها الطالبة الفرنسية والانكليزية والروسية واليونانية والايطالية — ومي اللبنانية الاصل — كل اجناس الفتيات ما عدا المصرية. واليوم اذ تزدحم جامعات مصر ولبنان بالفتيات المصريات واللبنانيات يحق لنا ان نقول ان المرأة قد قطعت في ظرف وجيز شوطاً بعيداً في ميدان تطورها .
ولكن — رغم هذا — لم يتحفنا الادب العربي بمي جديدة لماذا ؟ هل نضبت في بلادنا ينابيع الالهام والنبوغ ؟ ليس هذا ولكن في ظني انه منذ عهد مي ما اتيح لفتاة مثل ما اتيح لمي : والدان يقصران عليها كل حنوهما وعنايتهما ، وحلقة من ادباء مصر وسوريا يحيطانها بكل رعاية وتشجيع ، وعلم واسع يتناول جميع
