

« استحضري فتاة سمراء كالبن وكالتمر الهندي، وكالسك، وضعي عليها طابعاً سديمياً، من وجد وشوق وذهول وجوع روحي، واستعداد للطرب والسرور واستعدادا كبير للشجن والالم، واطلعي على هذا المجموع اسم « مي » .
ان ذكرى « مي » والايام الاولى التي جمعتني بها في كازينو صوفر منذ عشرين سنة تقريباً، والصداقة التي توثقت عراها فيما بعد ذلك والرسائل التي تبودلت بيننا، لهي من الحوادث التي لم تقو الليالي السود على محوها من ذاكرتي .
اذكرها في اجتماعنا الاول، وها اني اراها تدخل قاعة الجلوس بعد طعام المساء تتوسط والديها.. وها انا اصوب كل ما املكه من قوة جاذبة في الحس والنظر والارادة نحو « مي » وابويها وبقيت على تحديقي حتى فزت برغبتي عندما اقبل الثلثة للجلوس في الركبة التي احتليتها مع زوجي .
وما ان اخذت « مي » مقعدها بجانبي حتى وضعت يدها على يدي قائلة :
« اهو انت هنا ايتها المرأة الجديدة ! » - مشيرة الى اسم المجلة التي كنت اصدرها في ذلك الحين - اني جد مسرورة بلقاك » فشعرت اذ ذاك بغبطة خاصة وصمت في داخلي الا افارقها بعد الان - وكلانا في نزل واحد - حتى اسبر غور تلك المخلوقة الفريدة التي كنت كلما قرأت لها شيئاً جديداً ازداد حيرة من امرها، وابتعاداً عن كل الصور والمظاهر البشرية التي يمكن ان اشبهها بها .
وعندما ابديت شكري واستغرابي لتذكرها اياي - ولم نكن قد التقينا اذ ذاك سوى مرة واحدة في وسط جمهرة كثيرة من الناس - قالت : اونسيت اني عرفتك آنئذ قبل ان يعرفك احد علي ؟
اما انت - فعلى ما ارى - لا زلت في ريبة من حقيقة الكائن الذي حل في لفظة « مي » ومشيرة الى عبارة وردت في كتابي الاول اليها اعرفها فيه بنفسي ... كانت تتكلم وعيناها تنظران الى ابعد ما تبصران . وقبل ان تنتظر مني جواباً قالت : اراك تترددين في الجواب، ولعلك تفضلين ارجاءه لبينا يتملك استجلاء غوامض نفسي وكوامن داخليتي . انت
مصممة على الامعان في تشريحي حتة حتة لتتخذي مني موضوعاً لحديثك الشهري مع ابنة بلادك، مش كدا ؟ .
واستمرت قائلة : تعالي لا بد لناحن الاثنين من التفاهم على بعض الشؤون النسائية قولي لي ما رأيك الصريح في موضوع الازياء العصرية الجديدة والرقص والتبرج، هذه الامور الثلاثة التي هي من ابرز مظاهر هذه الحلقة التي نراها امامنا الان، والتي طالما عالجتها فيما تكتبين على صفحات مجلتك .
ولما اجبتها بما اضره من هذا القبيل، وخصوصاً بما يتعلق بطلاء الوجوه والتبرج، - مع العلم بان « مي » كانت رحمها الله شديدة العناية باساليب الزينة والتبرج - ردت علي في الحال بما يبرر اختها المرأة اذا ما دفعتها الرغبة او ظروفها الخاصة الى تحسين وجهها بالطلاء .. لا بل هي انحت باللائمة على كل من يقف في سبيل المرأة وينكر عليها هذا السلاح الذي هو حق من حقوقها المشروعة .
السنا نفاخر - وجميع امم الارض نفاخر معنا - بزخرفة كنائسنا ومتاحفنا واثاث بيوتنا، وكل ما له صلة بنا ؟ فلم اذاً نعيب على المرأة زينتها وهي التي يطلب منها ان توجد الجمال وتوزعه في جميع مناحي الحياة ؟
وهكذا انطلقت مي تدلي بالبرهان الواحد بعد الآخر والحجة بعد الحجة على صواب رأيها .
واذكر ايضاً اني قد كنت لمي اتبع