لو سئلت من هي أجمل امرأة في التاريخ، فماذا يكون جوابك؟ هل تقول أنها أنجريد برجمن أو هيلين الطروادية، أو نفرتيتي ألمع نجم في سماء مصر الفرعونية؟
ولكن ما قولك بنفرتيتي؟ وما الذي تعرفه عنها؟ لعلك تعرف عنها الكثير وخاصة بعد أن وجد تمثالها الملون في مصنع المثال ثوتمور ببلدة أفق أتين الحربية حيث تقوم قرية تل العمارنة على أنقاضها اليوم. وقد عثر علماء الآثار الألمان في ركن من أنقاض أحد الأبنية على تمثال من حجر الجير، تعلوه القاذورات، وكان ذا رقبة نحيلة ووجه نصفي جميل، فظنوا أنه من تلك التماثيل النصفية التي تشبه الأقنعة، والتي كانت شائعة في عهد الأسرة الثامنة عشرة، إلى أن فرغ الكيماويون من تنظيفه وإزالة ما علق به من طين، فبهرتهم دقة صنعه وجمال تقاطيع وجهه
الملونة الفياضة بالحياة، إلى درجة أنهم عادوا لفورهم، فكسوه بالطين وأودعوه بين شظايا العاديات المكوّمة في ركن بحجرتهم، ومن هناك نقلت نفرتيتي ملكة مصر العليا والسفلى وقد كساها الطين، في باخرة أجنبية إلى مقرها الجديد بالمتحف الوطني في برلين. وظهرت صور هذه التحفة الفنية المنقطعة النظير في جميع أنحاء العالم، فافتتن العالم بها. فما الذي فتنه فيها؟ وهل كان مجرد صدفة أن تتفق ملامح وجهها البديعة ودقة تكوين عظامها مع الجمال المثالي لوجه المرأة في ذاك الحين؟ هذا ما لا أظنه لأن أذواق الجمال في حقبة العشرين من هذا القرن قد تغيرت، بينما ظلت نفرتيتي مثال الجمال الكامل للمرأة. والواقع أنها كذلك في انتصاب رأسها البديع، واعتدادها بحسنها، ورقة شفتيها وفي عينيها الفياضتين بالحكمة، ونظراتها المليئة بالأنفة وحب الاستقلال. هذا ما تقوله لنا نفرتيتي بعد أربعة وثلاثين قرناً، فما الذي قالته في أيامها؟
إن مقاييس الجمال التي لا يزال العالم الغربي يعمل بها حتى اليوم، ونحن ندين بها ليس للمصريين وحدهم، بل وللاغريق. فقد بلغ من إدراك الاغريق لجمال التكوين الجسماني وتفانيهم في تمثيله أنه لو لم يكن لدينا غير مخلفاتهم الفنية، لاستخلصنا من هذا وحده بأنهم أمة مشبعة بالروح الفنية البحتة، ولكنهم كانوا أكثر من ذلك. فقد كانوا من بواسل الملاحين المستكشفين، وأبطال الحروب والمعارك الطاحنة كما كانوا من جهابذة الفلاسفة المفكرين، ومن أعماق فلسفتهم هذه تولد حبهم للجمال.
كانت الآلهة أثينا في اليونان القديمة مثال الأنوثة الكاملة. وكانت تجمع بين الحكمة والذكاء والجد، وقد وصفها هوميروس بأنها ذات عينين رماديتين صافيتين تفيض نظراتها بالهدوء. وإن «عنقها صلب العود جميل أملس» وأنها «ذات ذراعين بيضاوين وقدمين قويين، وعينين كبيرتين» وأنها كالتمثال في قوامها، تفيض طهارة وعطراً زكياً أينما وصلت. وأنها من الوجهة العقلية جديرة بأن تشترك في أخطر مناقشات الآلهة، وحتى في مناقشاتهم الحربية. وكانت تمثل الأمومة الكاملة والحكمة والحنكة والسكون واعترف لها بزعامة كل من أبنائها وبناتها.
وهناك ألهات أخرى في القصتين تمثل جميعاً أسمى نماذج الأنوثة الاغريقية، فكان يشترط في الجمال المثالي أن تكون المرأة طويلة وليست قصيرة القامة بديعة التكوين، ذكية الفؤاد تشعر بمسؤوليتها العائلية وتعرف كيف تحتفظ بجمالها رغم كثر الأعوام.


