تعرفي على أمهات المستقبل
دخلت جورجيت بسول معترك الحياة وهي ما تزال في السادسة عشرة من عمرها . وقد اكملت علومها الابتدائية في مدرسة العازرية في بيروت ، ثم درست مدة سنة اللغة الانكليزية في مدرسة البنات الاميركية ، كما تمرنت على الضرب على الآلة الكاتبة . وبعد ذلك اشتغلت موظفة في شركة البترول العراقية في بيروت . وكانت تتقاضى راتباً شهرياً قدره ١٩٢ ليرة لبنانية . ثم ارتفع معاشها حتى بلغ ٢٦٠ ليرة .
ولما انتقلت دوائر الشركة الى طرابلس خيرت جورجيت بين الاستقالة أو الانتقال للعمل هناك ، فاختارت الاشتغال . وهكذا انتقلت الى طرابلس وسكنت في دير للراهبات . وكانت تصرف عطلة الاسبوع في بيروت . رغم ذلك شعرت بوحشة غريبة في البعد عن اهلها واثرت الاستقالة والرجوع الى بيروت قبل ان تمر خمسة اشهر على انتقالها .
وكانت شركة التابلين في هذه الاثناء تتقبل طلبات العمل المتهافتة عليها ، فارسلت جورجيت طلباً واستلمت جواب القبول بعد انقضاء شهرين ، تعلمت خلالها الضرب على الآلة الكاتبة العربية .
وها قد مرت سنتان على دخولها موظفة متخصصة بالضرب على الآلة الكاتبة العربية في شركة التابلين ، وتتقاضى اليوم ٣٢٠ ليرة لبنانية شهرياً .
سألت جورجيت اذا كان انتقالها من حياة المدرسة الى العمل الحر قد احتاج الى جهد في تكييف نفسها وهي المعروفة بطبيعتها الساكنة الخجول . فاجابتني بانها تضايقت في بادئ الامر ، اذ شتان بين حياة المدرسة المرحة ، وبين الوظيفة التي تتطلب الانكباب ثماني ساعات يومياً امام الآلة الكاتبة . وكانت ترتجف وتحمر خجلاً اذا خاطبها احد الموظفين المنتشرين بكثرة في المكتب . ولكن مع مرور الوقت اعتادت جورجيت على عملها ، وصارت تشعر بانها تفيد منه في امور مختلفة عددتها لي قائلة : « اني اشعر ان فوائد عملي لا تنحصر بتقاضي الراتب شهرياً ، بل ان الاتكال على نفسي جعلني اشعر براحة واستقرار ، لاني لست عبئاً على غيري لتحصيل معيشتي ، بل اساهم بنفقات الاسرة . ولا تنسي ان العمل خارج البيت يمكن الفتاة من التعرف على انواع مختلفة من الناس ، مما يقوي شخصيتها ويلين طبائعها . »
وجورجيت هي العضو الثالث في اسرة مؤلفة من ثلاث فتيات ، ووالدة ووالد كان يشتغل قبلاً في حرفة الصباغة غير انه اصيب بداء اقعده عن العمل منذ خمس عشرة سنة .
وتساهم كل من الشقيقات بنصيب من تأمين حاجات البيت . فتشتغل الكبرى ضاربة على الآلة الكاتبة في بنك سوريا ولبنان ، كما تعمل الثانية في البنك نفسه .
وتقتصد جورجيت في مشترى ما يلزمها . ولا تتصرف بمهايتها كما تشاء ، بل تعطي القيمة باكملها الى والدتها ، ولا يزيد مصروفها

