رمبرانت وخادمته الوفية
العادة في تاريخ الفن وحياة الفنانين، ان يلقى هؤلاء صنوف العذاب والخيبة سنوات تطول أو تقصر، يصلون بعدها عتبة المجد وترقى الشهرة بين ايديهم المرهفة.
اما رمبرانت فقد انعكست معه الآية. فبعد ان تمتع بفترة


من رجال الفن من اتخذ الطبيعة موحياً له، ومنهم من اتخذ الحرب، أو البحر، أو لها بالنور والظل. لكن منهم ايضاً، كثيرين استوحوا المرأة فيما رسموا، وجاءت لوحاتهم ثمرة لعلاقاتهم مع طائفة من النسوة، يكشر المتزمتون ويعقدون حواجبهم ان ذكرت على سمعهم صفاتهن وهوياتهن.
ذلك ان علاقات الفنانين «بالمثالات» الموحيات اليهن، اللاتي لم يكن لهم زوجات بل خليلات، لم تكن في اغلب الاحيان بريئة.. وان الفنانين لم يسعوا الى اخفاء هذه الحقيقة أو تمويها. غير ان بعضاً منهم، مثل رمبرانت، لم يكن ليتوانى عن الزواج بخليلته لو سمحت الظروف.
الا ان في اللوحات، بالرغم من ذلك كله، براءة وطهراً، لا بد لنا، وللمتزمتين انفسهم ايضاً، من الاعتراف بها وتذوقها. من اجل هذا عمرت اللوحات اطول بما لا يقاس مما عمرت التقولات الملسانة عن النسوة الموحيات، ومن اجل هذا خلدت تلك الفانيات، وسيخلدن ما ظل في الكون لون يرى وذوق يحس ...
العادة في تاريخ الفن وحياة الفنانين، ان يلقى هؤلاء صنوف العذاب والخيبة سنوات تطول أو تقصر، يصلون بعدها عتبة المجد وترقى الشهرة بين ايديهم المرهفة.
اما رمبرانت فقد انعكست معه الآية. فبعد ان تمتع بفترة
وجيزة من الشهرة، كان عليه ان يقضي بقية حياته تعيساً بائساً.
في سنة ١٦٥٦ كان رمبرانت قد فقد زوجته الاولى وقصره الجليل واصحابه وانصاره في أمستردام، وكان يعيش في الاحياء الفقيرة القذرة. ولم يكن معه، يشاركه حياة البؤس تلك، غير فتاة قروية سمراء اللون، لها محياً يانع وقوام ممتلئ، ويرتسم الحزن في عينيها، اسمها هندريكيه ستوفلز. جاءت بيته خادمة، وتربعت فيه خليلة. وكانت امية، على جانب كبير من البلاهة والسخف، لكنها كانت واقفة على مدى عبقرية رمبرانت، وكانت وفية كقديسة، فكرست ذاتها له.
وقد احبها رمبرانت اكثر مما احب الشهرة واكثر مما احب المال، فصورها مراراً وتكراراً: صورها بشكل فينوس وفلورا وبشبع، كما اتخذها مثالاً في رائعتيه «امرأة تستحم» و«استوديو الرسام». وكان يصور فيها المرأة التي لا يقتصر جمالها على المظاهر الخارجية - المرأة التي يتمثل فيها الاطمئنان وترتد عنها مخاوف الحياة صرعى.
ولبثت هندريكيه معه، تعتني به، وتمرضه، وتغسل ثيابه الوسخة التي كان يمسح الفرشاة بها! ووضعت له ابنة. وما يجدر ذكره ان حبها للفنان وتقديرها له بلغا حداً جدا بابن رمبرانت من زوجته الاولى ان يحترم خليلة ابيه ويتعلق بها كما احترمها وتعلق بها ابوه.
