في جهة اخرى من هذا الشاطئ ، بزغت في تاريخ الحضارة تلك الذخيرة العطرة التي التحمت فيها عناصر الدين والايمان بعناصر الفن والشعر ، وكانت منذ نشأتها الى آلاف السنين بعدها موحى لبعض من اروع فناني العالم ، نظموا من وحيها اجود الشعر ، وكتبوا اجمل القصص ، وديجوا افظع المآسي ، وسطروا اعظم الملاحم ، ونحتوا افخم التماثيل ، ورسموا ابهى الصور - اقصد بهذه الذخيرة الميثولوجيا ، أي تلك الاساطير التي لم يخل منها تاريخ امة او ادب امة ، وان تفاوتت في المقام جمالا ومغزى واثرا وخلودا .
في الاساطير يرتبط الدين والشعر . بل اذهب الى ابعد من هذا ، فأقرر ان اساطير الشعب هي لاهوته القديم واسّ معتقداته وخلاصة ايمانه . وليس هدفي ، الآن ، ان احلل كيف يلتئم الدين والشعر في هذه الاساطير ، بل ان ابيّن الدوافع الاساسية التي جعلت الانسان يخلق الميثولوجيا ، ثم جعلته بعد ذلك لا يجد مادة لشعره وفنه كله الا في هذا الدين الذي آمن به ، وجعلته يهب الارث الفياض الى امم الارض المتمدنة ، فيرجع اليه فنانو كل العصور ، ليجدوا فيه ، دونما ايمان بلفظ جاء فيه ، الموحى الاصيل لفنهم ، والمرتع الخصب لخيالهم ، والافق الرحب لتأملاتهم .
لنعد بافكارنا الى الوراء ، ولنرجع القهقرى قرونا في تاريخ الانسان ، الى تلك الفترة التي كان الانسان بها طفلا في وعيه وادراكه وقاصرا في اختباراته ومعلوماته . كان يرى مظاهر الطبيعة المختلفة فيقف عندها فاغر الفم مشدوها ، يحتار كيف يعلمها حين يتأملها او يفكر في اسرارها . ويسأله ابنه عنها

