رأى الامراض تفتك به وبأولاده وبماشيته ، يقاسي منها لكنه لا يستطيع اتقاءها ، فيقف مكتوف الايدي تجاه ضرباتها .
رأى كل هذا وغيره الكثير ، مما يتعلق بالسماء والغيوم والنجوم والانهار والبحار والاشجار والولادة والعاطفة الجنسية ، لكنه لم يدرك كنه شيء من هذا الذي رأى ، فظل جاهلاً .
وكان جهل الانسان المحطة الاولى التي سارت فيها قافلة تسعى الى الدين فالفن ، الى الايمان فالجمال .
والجهل ولد ... حب الاستطلاع :
إبان هذه الفترة الساحقة في القدم كان الانسان ، كما قلنا ، طفلاً في وعيه وادراكه . واننا نرى الطفل يقف مشدوهاً امام مظاهر الطبيعة وخفايا الكون ، لكننا نرى فيه حباً للمعرفة ورغبة في السيطرة على ما زال في حيز الغيب . ينظر الى الشمعة تتقد ، فيعجبه مرآها ، لكنه لا يفهم منها شيئاً : لا يعرف سر النور المشعشع ، ولا يقوى عقله على اكتناه ذلك اللهب الاحمر المنبعث منها . لكنه لا يكتفي بالنظر ، بل هو يجب ان يعرف ما يجهل ، فيلمس اللهب ، اذ اللمس هو الصلة الوحيدة بينه وبين السر قبالته ، فلا الشمّ ينفع الآن ولا البصر او السمع أو الذوق . يلمس اللهب ، ويحرق اصابعه ، ويصرخ مستغيثاً - من أجل شيء واحد يعتبره اساسياً : هو حب المعرفة .
وهذا حال الانسان القديم : فان جهله الفاضح لكل شيء في الوجود ولّد في نفسه الرغبة في المعرفة وحب الاستطلاع ، الذي كان المرحلة الثانية في طريق سبك الاساطير . وكان حب الاستطلاع هذا ينقل الانسان من طور الى طور ، ويجعله يفسر الاشياء كما يريد ويستطيع ، دون ان يكون هناك مشير
يسوّي خطوات تفكيره أو رادع يبعده عن الضلال أو قيم يهديه الى الصواب .
... والخوف :
جهل الانسان قاده الى حب الاستطلاع ، وقلة المعرفة ولّدت فيه الرغبة في المعرفة . لكن هذين العاملين لم يقفا هناك بل ولّدا نزعات جديدة في اجدادنا الاول . من هذه الاشياء الخوف .
نحن اليوم نرى كل ما كان يرى الانسان قديما ، لكن فهمنا لحقيقة ما نرى يجعلنا نعيش باستقرار فلا نخشى منها شيئاً . أما الانسان القديم فكان يفزع من كل ما يرى لانه كان يجهل حقيقته . نرى الشمس فلا يعيينا امرها ونعرف كيف نتقي بطشها ونحمي المزروعات منها ؛ والبحر فنبني السفن التي تهزأ به وتسير بجبروت يسخر من جبروته ؛ والمرض فنتخذ من الادوية ما يدرأ شره في كثير من الاحيان عنا . اما هو فكان يخشى الشمس ويفزع دوماً من ان تودي بغلاته ، يخاف البحر ولا يأمن شره ، يخاف المرض ولا يعرف في أي وقت
وبأي شكل سيداهمه فيرديه. يرى كثيراً ويخاف كثيراً . لذا وقف امام مظاهر الطبيعة واسس الحياة بخوف ووجل ، فنظر الى الشمس والبحر والمرض ، والى كل ما لم يفهمه ، نظرة اجلال متأتية عن الرعشة والصغار والفزع .
وعن الخوف من الموت نشأ
الايمان بالروح والسحر :
لكن صديقنا الانسان خاف شيئاً اكثر من كل ما ذكرنا ، شيئاً ما زلنا نخافه ونرتعش اذا ذكر ، رغم ما عملت السماء لتجعلنا نفهمه ونطمئن اليه - هو الموت . فكان يتساءل حين تولّي زوجه أو اولاده : الى اين ذهبت ؟ اين تذهب النفس بعد الموت ، والى اين تقتاد الوفاة صريعها المسكين ؟ لا شيء يؤثر في العقل كالموت ولا سرّ يحاول المرء ان يستقصيه كسر الموت - فلا عجب اذاً ان نقرأ ان القبائل الانكلوسكسونية اعتنقت المسيحية في مطلع التاريخ الانكليزي لما تبين لها انها تعلّم الانسان عن حاله
ومنها اسطورة اورفيوس واورديس .. احبها ، ولحقها الى ديار الموت . وبشعره وموسيقاه
اثّر في ربّ الهلاك ، فأعاد حبيبته اليه ..