

عندما فاتحت فلورنس نايتنجيل ذويها بعزمها على الانخراط في سلك التمريض، أخذ الهلع من امها كل مأخذ.. وليس هذا بالغريب، ففي ١٨٤٥ كان الهلع كفيلاً بأن يسيطر على أية أم تفكر ابنتها بارتكاب تلك المخاطرة! ذلك لان الممرضات في ذلك الحين كن يعرفن بالقذارة والعربدة والشذوذ الاخلاقي..
كانت فلورنس واقفة على هذا كله، لكنها كانت مصممة على تبديله من حال الى حال، اذ ادركت المهمة السامية التي كانت تنتظرها، والتي كان سيشمل مفعولها حقل التمريض والجيش، وسينعم بما تجرّه من خيرات الانفار من الجنود والقواد العظام على السواء.
ونفرت الدموع من عيني امها، واسرّت فيها بعد الى صديقة لها: «لكأني بطة افرخت وزة برية!..».. لا، لم تكن وزة برية فلورنس تلك - قال احد الكتاب المعروفين في ترجمة لها: لقد كانت نسراً!
وقد تساءل كثير من الكتاب حين كانوا يتعرضون للمهمة المقدسة التي كرست فلورنس نايتنجيل نفسها لها: ماذا عسى الدافع لها كان؟ ولعل الجواب الصحيح الوحيد هو الذي توصلت اليه مؤلفة اميركية هي سيسيل ودهام سميث، وقد وضعت عن البطلة الكبيرة كتاباً، نشرته في الشهر الماضي في حوالي اربعمائة صفحة، بعد تنقيب في الرسائل والوثائق الاصلية العتيقة استغرق ست سنوات بطولها. والجواب هو: لما كانت فلورنس في السادسة عشرة من عمرها كانت تطنطن في داخلها «اصوات» تؤكد لها ان الله انتدبها لمهمة خاصة.
غير ان الاصوات تلك لم توضح لها ماهية المهمة. وظلت تراودها في غموض الى ان بلغت عامها الرابع والعشرين - لكنها لم تنفذ ما انتدبت له قبل ان بلغت سنوها ثلاثاً وثلاثين. وفي اثناء ذلك كانت حياتها صورة طبق الاصل لما كانت تحياه فتيات الطبقة الراقية في المجتمع الفكتوري.
وكان ابوها مولعاً بالفنون والصنائع، وامها عنصراً بارزاً في المجتمعات. اما فلورنس، التي كانت ضئيلة الحجم ذات شعر كستنائي، فقد كانت تتعشق الحفلات الاجتماعية والراقصة، ومولعة بالتنزه والترحال، فقادها ذلك الى رحلات طويلة في القارة الاوروبية. وكان طبيعياً ان تستلفت نظر الخاطبين، فاجتمع لدى بابها الكثيرون منهم. وكان بين هؤلاء رتشارد ميلنز، المعروف آنئذ بشعره وبحبه الخير والاحسان.
لكن هناك شيئاً كانت تقوم به فلورنس، الى جانب ما ذكر، لم يكن الباقون مطلعين عليه: هو انها كانت تحتفظ بمذكرات وافية، فيها صورة اصيلة رائعة عنها - عنها لا كما هي في عيون السوى وحسب، بل كما هي في عينيها بذاتها ايضاً؛ لا عمّا تفعله فقط، بل ايضاً عما ينبغي عليها ان تفعل - والا تفعل!
في مذكراتها كانت فلورنس تؤنب نفسها، من حين الى حين، لمحاولتها على الدوام «ان تشع وتسطع في المجتمع». وكانت تتخيل نفسها زوجة لملنز الذي جئنا على ذكره - لكن احلامها بالزواج كانت مبنية على ما يمكن ان تعمله وزوجها العتيد معاً في حقل البرّ والاحسان. واذا ما جنّ الليل، كانت تفيء الى غرفتها، وهناك تعكف على قراءة التقارير التي تنشرها المستشفيات الحكومية، فتطالعها بحذافيرها على ضوء الشموع الخافت. وكتبت في مذكراتها: «ان عقلي منهمك كل الانهماك بالآلام التي يعانيها الانسان، فهي تحيط بي من كل صوب وحدب.. وكل الناس الذين القاهم، اجدهم منهكي القوى بفعل الهموم أو الفقر أو المرض».
وعندما اخذت هذه الافكار الانسانية تسيطر على عقلها وقلبها، شرعت تجهز ذاتها للمهمة السامية التي كانت تتشوق منذ حين للقيام بها. فنراها بدأت تتحرر من سائر القيود الاجتماعية
