المفروضة عليها ، وتطلّق المسرات التي كانت مغرمة بها ، واحدة بعد الاخرى - بما في ذلك رتشارد ميلنز نفسه : «الرجل الذي كنت اتعبّده» ، كما وصفته في اوراقها . وحين يصل قارىء المذكرات الى الفترة التي صمّت فيها فلورنس نهائياً على ترك عالم المسرات والالتحاق بواكب الخدمة ، يقرأ فيها هذه الاسطر :
«اليوم بلغت عامي الثلاثين - العام الذي بدأ فيه المسيح رسالته . من الآن فصاعداً لا امور صبيانية . لا حب بعد . ولا زواج . من الآن فصاعداً دعني ، ايها الرب ، لا افكر الا في مشيئتك . ايها الرب ، في مشيئتك» .
وكان عمرها ثلاثاً وثلاثين سنة ، عندما استلمت ادارة بيت للعناية «بالنساء المريضات اللواتي تحيط بهن ظروف محزنة» . وهذا الحادث مرحلة فاصلة في تاريخ فلورنس نايتنجيل وفي تاريخ المستشفيات الانكليزية ، فالعالمية . فمنذ وضعت يدها اذ ذاك على المحراث ، لم تعد تلتفت الى الوراء . وبالرغم من المشاكسات الكثيرة التي كانت تتعرض لها ، ومن معاكسات كبار الاطباء ورجال الجيش ، ظلت تسعى وتجاهد ، حتى اتيح لها ان تنظف المعسكرات الانكليزية في القرم من قاذوراتها الكثيرة . فاصبحت «السيدة ذات النبراس» ، التي كانت تعمل كضابطة صحية حيناً ، وكجاوبشة للذخائر حيناً ، وكانت قديسة في كل حين ، - أصبحت بطلة عالمية ، تحدثت بأخبارها الامم ، وقلدتها الملكة فكتوريا وساماً رفيعاً ، وتمّت لو كانت ذات كلمة في وزارة الحربية !
غير ان فلورنس لم تكن تقف في طموحها عند حدّ التمني .. فألفت لذا وزارتها الحربية الخاصة ، التي ضمت وزير الحربية نفسه وعدداً من كبار الاطباء والشعراء والعلماء . وبالرغم من اعتلال صحتها ، وكونها مقعدة وعلى عتبة الموت ، فقد استطاعت في غضون ستة اشهر كتابة وجمع الف صفحة من التقارير والمعلومات عن حالة المستشفيات الانكليزية في القرم . وكانت من فراش مرضها تدير معاونيها وتضع لهم الخطط وتحضّر وسائل الدفاع ضد الخصوم .
وبدأ الظفر ينقاد لها . فشرعت وزارة الحربية تعيد التنظيم التقليدي ، وأعيد ترتيب المخيمات والمستشفيات العسكرية بصورة صحية مرضية ، وانشئت مدارس التمريض . ثم اعارت الهند اهتمامها ، فرسمت لها تشريعاً صحياً ، وقبل وفاتها شاهدت مشاريع التجفيف والري تطبق عملياً هناك .
كان العمل مضنياً ، لكنها كانت اقوى منه . غير ان عدداً وافراً من اخلص معاونيها سقطوا على الطريق ، وماتوا . وعندما توفي احد معاونيها الكبار كادت فلورنس نايتنجيل تلوم الله لانه قاطع سير «العمل» . بيد انها كبحت جماح عاطفتها - وكتبت في مذكراتها : «عليّ ان اذكر ان الله ليس سكرتيري الخاص ... !»
اما هي فلم تهن ولم تضعف ، وعاشت بعد ذاك طويلاً ، الى ان شهدت تحقيق احلامها وارتداء امانيها العارية اثواب الواقع . واخذ بيتها يعج بكبار الوافدين
والمجلّتين ، وصار محجة لعظماء البلاد ومفكريها .
وفي ١٩٠٦ بدأ عقلها يتجرج ، واحمى من بصرها النور . وفي ١٣ آب عام ١٩١٠ ، وكانت فلورنس نايتنجيل اذ ذاك قد جاوزت عامها الحادي والتسعين ، عاودتها «الاصوات» ذاتها ، ودعاها الله للمرة الاخيرة -
وكعادتها طيلة حياتها ، سمعت فلورنس الدعوة ، ولبّتها .