
شاهد الانسان الطبيعة وما فيها ، لكنه جهل مغزى كل شيء ؛ وقاده جهله الى حب الاستطلاع ، والتحم بالخوف من الطبيعة والوجود ، وخاصة من الموت والارواح ، فالجأ الى السحر ؛ وجرّته هذه الدوافع السلبية لان يتخذ موقفاً ايجابياً كل همه منه ان يطمئن نفسه الفزعة وان يروي ظمأه للمعرفة . فبدأ يعلل الاشياء تعليلاً يناسب عقليته ويلتئم مع نوازعه النفسية .
وحين اكتملت الدوافع السابقة وشرع الانسان يعلل ، لم يدر ( كما الان ندري ) انه كان يشرف على عمل من اجلّ اعمال الانسان في كافة العصور – على خلق الاساطير . ولا بد لنا من ان نفهم بعض العوامل الايجابية التي اتحدت مع العوامل السلبية واعطت الاساطير صيغتها التي نعرفها والتي آمن بها الاقدمون ، خاصة الاغارقة واللاتين .
اعطاء مظاهر الطبيعة ارواحها :
كان فهم الانسان قاصراً ومدى تفكيره ضعيفاً ، فنظر الى مظاهر الطبيعة كلها نظرته الى ما حوله من انسان وحيوان ، فرأى بعضها رجلاً وبعضها امرأة وبعضها حيواناً ، وخيل اليه ان لكل ما في الوجود روحاً ، شأنه هو . لكنه اعترف ان روح هذه الكائنات خالدة ، وانها لا تذوي كما يذوي هو حين يموت – ذلك لما شاهده من بقائها الدائم وهو يزول ، ومن ثباتها وهو يتلاشى . ومن هنا نشأ تأليه الانسان لمظاهر الطبيعة والكائنات المختلفة في الوجود : من اعطائها ارواحاً ، والنظر اليها كإنسان ، ووهبها منحة الخلود .
من اجل هذا رأى الشمس الهاً والقمر الهة والنجوم ارباباً ، واعتقد ان في كل نهر الهاً وفي كل شجرة روحاً خالدة . ولما كانت الشمس اكبر الاجرام السماوية واكثرها تأثيراً على الناس والماشية والمزروعات ، وكان خوف الانسان منها يفوق خوفه من أي جرم سواها ، كان تعظيمه لها اكثر من تعظيمه لسواها ، فقدسها وعبدها وحاك حولها اعظم الاساطير . ونجد الشمس في غالب اساطير الاقدمين ، بل ان بعضاً من علماء الميثولوجيا يرون ان سائر الاساطير ان هي الا نصوص مختلفة لأسطورة اساسية عن الشمس ، وان « الألياذة » ذاتها ليست الا من اساطير الشمس !
المبالغة في الحقائق والايمان بالخوارق ولدا اساطير الابطال :
وكما كان اعطاء مظاهر الطبيعة ارواحاً انسانية – الهةً اساً في عملية خلق الاساطير ، فقد عمل فيها عنصر آخر ، هو المبالغة في الحوادث التاريخية والايمان بالخوارق .
ان الطفل يرى حدثاً غريباً لم يعتد مشاهدته ، فيؤثر فيه ، وحين يروي ما رأى نجده قد اضاف اليه وزاد في تفاصيله واعطاه شكلاً مرعباً أو مدهشاً أو مثيراً . كذا كان حال الانسان القديم : كان يعظم البطولة ، ويقدس البطل الذي يبرز في القتال ، فيتحدث عنه راوياً اقاصيصه معظماً بطولته ، بحيث لا تمرّ سنوات حتى يصبح هذا البطل محاطاً بهالة من الاقاصيص تختلف اختلافاً بيّناً عن الاصل والواقع . هذا وقد كان الانسان القديم يؤمن بالقدر والمعجزات ويعتقد ان في انتصار فريق في معركة على فريق دوراً لعبه القدر وقامت به الخوارق . وهذا الايمان بكائنات لها فوق القوة البشرية ادى بالانسان الى خلق اساطير جديدة تختلف عن الاساطير المتعلقة بظواهر الطبيعة ، هي اساطير الابطال .
ولما كان الانسان يؤمن بأن لكل شيء روحاً ، فقد اعطى هؤلاء الابطال وهذه القوى غير المنظورة ارواحاً خاصة بها ، فاصبحوا اشخاصاً وبالتالي الهة او اشباه الهة . وزاد في التفصيل :

