
فهؤلاء الأبطال يتدخلون بشكل غير منظور في شؤون البشر ، فهم إذاً وسط بين الآلهة والبشر ، وهم حسب تفكير الإنسان الساذج أبناء الآلهة الذين تزوجوا من بنات البشر .
« أسماء » مظاهر الكون تتحول إلى « آلهة » :
أعطى الإنسان لكل من آلهته الكثر اسماً ، فسمّى الشمس شمساً والقمر قمراً والفجر فجراً ، وأصبحت هذه كلها أسماء أعلام معينة تشير إلى كائنات نعرفها جماداً وعرفها هو ذات أرواح إلهية . لكن الأسماء هذه تطورت معانيها ومفهوماتها ، وكان هذا التطور عاملاً هاماً في خلق الأساطير وأعطائها الشكل الذي هي عليه الآن . وكان ذلك على الشكل التالي :
يختلف العلماء في تحديد المكان الذي عاش فيه الهنود الأوربيون الذين بزغت عندهم أولاً الميثولوجيا ؛ على أنهم يكادون يجمعون أنهم قطنوا الهند . ففي الهند إذا أخذ الإنسان يفكر للمرة الأولى في ظواهر الكون ، ويجعلها ، ويخافها ، ويجب أن يعرفها ، فاعطاها أرواحاً إنسانية ، وآمن بها كآلهته لأنه لمح قوتها وخلودها ، وسماها بأسمائها كما هي في لغته : فكما نسمي الشمس شمساً سماها هو « فيبس » ، وهكذا . وكما صار لهذا الكوكب روح وأصبح إلهاً ، صار له اسم هو فيبس - ذات الاسم الذي كان له قبل أن يؤلّه . لكن القبائل الهندية أخذت تتفرق ، وضربت في الآفاق فحلت كل منها في صقع ، وجاء بعضهم فسكن ببلاد اليونان ، وحفظوا المعتقدات التي كانت لهم سابقاً ، وظلوا يؤلهون الطبيعة ، وبقيت أسماء الآلهة كما كانت عليه من قبل ، رغم أن اللغة تغيرت عن الأصل تغيراً محسوساً . وبتتالي الأيام بقيت مستعملة كأسماء أعلام ، وضاعت معانيها . فلم يعرفوا بعد مدة أن « فيبس » كلمة عادية تعني « الشمس » ، ففكروا إذ ذاك أنها اسم علم للشمس كآله ، وأصبحت كل الأساطير التي حبكت عن الشمس من قبل والتي عدلوها هم ، أساطير عن إله سماوي اسمه فيبس لا عن الشمس كجرم فلكي يعطي الحياة ويشرق ويغيب .
قل مثل ذلك في أسماء الآلهة الأخرى ، فقد تحولت من أسماء عادية تستعمل لمظاهر الطبيعة إلى أسماء خاصة بآلهة يتمثلون في مظاهر الطبيعة . أصبحت الأسماء آلهة ( وفي القول اللاتيني : « إن الأسماء nomina أصبحت آلهة numina » ) ، وخلقت الأساطير كما نعرفها اليوم . فنحن نقرأ أن « فيبس » كان ابن « ليتو » وأنه ولد في « ديلوس » ؛ فنفهم منه كما فهم الأغارقة أن هذا الإله كان ابن تلك وولد في ذلك المكان . لكن لهذه المفردات الثلاثة معاني بالهندية الأوروبية التي وضعت بها القصة أولاً ، فإن راجعناها وجدنا الأسطورة تعني هذا : إن « واهب النور » كان ابن « الظلام » وولد في « أرض الإنارة » !
الأغارقة يصقلون الأساطير بجمالهم واقتباسهم :
كذا ، إذاً ، وجدت الأساطير . ابتدعها الإنسان عفواً في قديم الزمان في بقعة نائية من بقاع الهند ، لكن الأغارقة صقلوها وأعملوا فيها خيالهم وجماليتهم فاخرجوها كما نعهدها . وكل من اطلع على الثقافة اليونانية ، من فلسفة وشعر ورياضيات ومآسي ومهازل وفن وعلم ، يقدر عنصر الجمال الذي وهبه ذلك الشعب . وكان للجمال تأثيره في خلق الأساطير ، فبدلها الإغريقيون من قصص جافة تصف الكون والطبيعة إلى أقاصيص كل ما فيها جمال وحب وخيال ومغاز وسحر وروعة . ومعظم ما لدينا من أساطير ندعوها كلاسيكية ، إنما عمل في تجميلها وزاد في رونقها النبوغ اليوناني .
ودخلت الإغريقية عوامل من الخارج زادت في عدد الأساطير وأعطتها فيها وجماليات جديدة ، كان بعضها من كريت وبعضها من مصر ، وبعضها الحلو من هذه الشطآن ، كأسطوري إدونيس وقدموس .
بدأت الأساطير ديناً وانتهت فناً :
اطمأن الإنسان الآن ، وعلل كل شيء ، واقنع نفسه بأنه يعلم ولا يجهل ، وأنه مطمئن لا يخاف ، وأشبع مدى حبه للمعرفة ؛ فآمن بآلهة وآلمات وأبطال ، وبالقدر والوحي ، وكان ذلك كله
