يجتاز الادب الحاضر في العالم الانكلوسكسوني نهضة كبرى لم يعرفها منذ اجيال. ولمقومات الادب الاولى، الشعر والمسرحية والنقد، موطنان رئيسيان، اليها يعود الفضل في ازدهاره وغنائه، هما حلقتا بلاكمور في برنستون بأميركا وليفز في كامبردج بانكلترا.
اما برنستون فتضم حالياً من الادمغة ما لا تضمه أية بقعة مماثلة اخرى في العالم، فبالاضافة الى الجامعة المعروفة باسمها، في البلدة معهد الدراسات العالية حيث يعمل اكبر علماء القرن العشرين قاطبة: البرت اينشتاين. وقد جعلت الجامعة والمعهد من برنستون قبلة انظار العلماء
ابناء كانوا، واصبحت المركز الاول للابحاث الرياضية والطبيعية. وهناك ايضاً مدرسة وستنستر الموسيقية، بين اساتذتها نفر من كبار الموهوبين. وهناك عدد من المحاضرين العالميين يتوافدون عليها الواحد منهم بعد الآخر، مثل هوشي اكبر ادباء الصين، وروبرت وغابي كساديوس الموسيقيان الاشهران، والمؤرخ المعروف ارنولد توينبي، والشاعر الاول في هذا النصف من القرن ت. س. اليوت، والفيلسوف جاك ماريتان، والعالم الفيزيائي روبرت اوبنهايمر، والروائي جون اوهارا وسواهم. ونحن ان سمينا هؤلاء الكبار فليس لنغفل عن القول بأن هناك نفراً من الشخصيات الاخرى التي ان قلت عن هؤلاء شهرة فانها لا تقل عنهم نبوغاً ووزناً، والتي يتصل بعضها بالجامعة أو المعاهد وبعضها يقطن البلدة ليظل في ذلك المحيط الادبي والفكري وليذكر باسمها اسمه!
وقد حبّب برنستون الى هؤلاء ان هذه البلدة التي لا تضم اكثر من ١٦ الف نسمة، فيها الابراج العاجية ان شاءها النزيل، وفيها الارتباط بالعالم الخارجي ان اراده، فهي لا تبعد الا سفر ساعة عن نيويورك.
وفي برنستون اماكن للتسلية يجتمع فيها بعض «الكبار» اولئك من حين
الى حين، كالمسارح وملاعب التنس وبرك السباحة. لكن ليس ثمة صالون او منتدى فكري يفرض نفسه ويجمع بين شخصيات المدينة الفكرية البارزة. لكن هذا النقص المؤسف تسدّ مسدّه بعض الاحداث التي يلتقّون فيها ويلتقون مع سواهم من «الصغار» الذين فيهم تمركز النهضة الشعرية والادبية والفكرية المعاصرة.
من اعلى هذه الاحداث شأنًا «الحلقة الادبية الصافية» التي يتزعمها اثنان من رجالات الادب المعاصر هما ر. ب. بلاكمور كبير المدرسة المعروفة بمدرسة النقد الحديث وفرانسيس فرغسون الاختصاصي بالادب المسرحي. وكلاهما من الاعمدة التي تستند اليها المجلات الادبية الراقية في اميركا، التي تعرف باسم «المجلات الصغرى» لان الصفة الادبية الغالبة عليها تجعلها في متناول النخبة الصغيرة وحسب! والحلقة التي يديرانها تعرف في عالم الادب الانكلوسكسوني بأنها اعقد الحلقات الادبية طراً واخلصها للفن واجزلها نفعاً وقيمة. والجدير بالذكر ان تلامذة الجامعة، حتى المتخصصين بالادب منهم والذين في صفوف التخرج منها، لا يحق لهم ارتياد هذه الحلقة، بل انه لا يتاح لمن شاء من اساتذة الجامعة انفسهم ان يكونوا اعضاء فيها. فالانتماء اليها مقصور على عدد قليل من ائمة الادب ومن الادباء، خاصة الشعراء، الذين عرفوا بانتاجهم الخلاق - ويخضع انتماؤهم الى موافقة بلاكمور الشخصية.
وما يذكر ان بلاكمور لم يتلق

