الأولى: «موت الرجعة» وذلك لأن الحياة يمكن أن ترجع أو تسترد بالوسائل السريعة الناجعة إذا كانت الأعضاء الرئيسية سليمة لم يفتك بها مرض. أما المرحلة الثانية فهو يسميها «الموت البائن» أي الذي لا رجعة فيه. فهذا مثلاً غريق قد انتشل من الماء وهو في غيبوبة، وهذا سائق سيارة وجد منكفئاً على عجلة القيادة وأبواب الكراج مغلقة عليه وآلة السيارة دائرة. فيأتي الدكتور فلا يحس نبضاً ولا يتبين تنفساً، فيرسل في طلب نسّامة (جهاز للتنفس) وقضي الدقائق سراعاً، فإذا الحياة قد عادت إليها.
فبناء على رأي الدكتور كارل يكون هذا الحي الصريع قد مات — مات موتاً حقيقاً فيما يتعلق بشعوره وبدنه في جملته. وبين الذين يستجيبون لدعوة النسّامة فيحيون ثانية، والذين يستعصي أمرهم فيبقون أمواتاً فرق، وذلك أن الأعضاء الرئيسية في الفريق الأول لم تتلف بعد.
وماذا يقول أولئك الذين استنقذوا من موت الغرق؟ تراهم يقولون دائماً أنهم لم يقاسوا تعباً مبرّحاً قط بعد المجاهدة الأولى في سبيل النجاة، فإن ذلك الكرب المطبق ينقشع وتأتي بعده راحة كغفوة النائم. وقد كتب أحد الذين نجوا بعد الغرق، وهو جرانت آلن الكاتب الإنكليزي المشهور فقال:
«لقد علمت واستقر في نفسي أني مارست الموت مرة، فكان لذلك أكبر الأثر في قلة مبالاتي به. والموت كالنوم خلو من الألم. ولا يجد المرء في الموت ألماً تضيق به النفس، بل الألم الذي يلقاه هو فيما يسبقه من مجاهدة ومن شعور بدنوّه، ومع ذلك فهذا الألم نفسه أقل مما يحس به المرء حين تكسر له ساق أو يخلع منه ضرس، ولم أشعر بدبيب الخوف في نفسي».
والعلم الصحيح يفسر لنا ما نلقاه عند ساعة الموت: فسبب ما نلقاه فيه هو أثر الانحلال الذي يدب في الأعضاء. وكل خفقة تكون أضعف من التي سبقتها في قدرتها على دفع الدم في عروق البدن، فإذا ما اطرد ضعف ضغط الدم خامرت المخّ سكينة وراحة مرجعها إلى تخدير
لطيف مردّه إلى نضوب معين نشاط البدن. فإن تلك الموجة العارمة من النشاط البشري قد أخذت تنحسر كالجزر مرتدة إلى خضمّ الحياة العامة وانسربت إلى أعماق بعيدة عن عبابه الصاخب! وعندئذ يسترخي بدن الحي ويستقبل أروع أحداث الحياة بنفس مطمئنة.


