ان فيها لشيئاً من طفرة الحماسة ، فهي اذا ما تحمست لأمر رأيتها مزهوة به مثرثرة فيه لا تفتأ توقر اذنيك بما تعتقد حتى تسلم لها بالرأي قنعت به ام لم تقنع .
وان فيها لشيئاً من غرور الشباب .. فهي اذا ما ازينت — وزينتها لا تتعدى عقد الشريط الزاهي في جهة من الرأس او في جهته معاً — رأيتها تتقدم امام المرآة وتتأخر ثم تنحني وتتبختر فما تكاد تلحظ انك ترقبها حتى تبدهك بجواب من مثل هذه الأجوبة : اردت ان اعرف ألأشابه (مرغريت) في بعض ادوارها ام لا ، وهي تعني مرغريت ابون مثلة السينما الصغيرة .
وان فيها لشيئاً كثيراً من الثقة بالنفس — ثقة تعيب نقصها فيّ احياناً ، فهي تعتقد ان ( ماما ) جبانة لانها تخشى على نفسها او على اولادها عاقبة وجع طال امده ، وهي لا ترعوي تحاور وتداور حتى تأتيك بمثل هذه الحجة .
ان الله الذي تقولون انه يحب كل الناس لا يمكن بحال ان يؤذي هؤلاء الذين يحبهم .
وهي الى ذلك دائمة الحركة مستغرقة فيها كل الاستغراق ، في شيء كثير من الانتباه العجيب لما يدور حولها .
تلك هي ابنتي نسيمة لها من العمر سبع سنوات ونصف السنة إلا انها رغم هذه السن يخيل اليك انها قد خطت طريقها المنشود او كادت وانتقت عريس احلامها ، ثم عدلت عن الزواج قائلة ان فيه حيفاً يلحق بالمرأة وانها لن تتحمل هذا الحيف بحال ولقد عدلت رأيها بالدّين بعد ان سألت واستنتجت ، ورأت .
اما ما يكون من امرها في الغد فهذا لا يعلمه إلا الله واما ما يكون من شأنها مع الحياة ، فالحياة شديدة — ويا للاسف — على ذوي الاحساس الدقيق .
رأيتها منذ ايام مُطرقة اطراقة صمّاء وانا اعلم انها لا تطرق هكذا الا ان يكون بينها وبين البكاء والنشيج همسة ، او لمسة ، فاوعزت الى ابيها ان يفعل ، فامسك بذقنها يرفع رأسها اليه
فاذا نمّت في العينين الزيتيتين فيض من الدموع يوشك ان ينهمر ، فقال لها : ماذا هنالك يا نسيمه ؟ اخبريني لأرى ...
فقالت وهي لا تكاد تملك نفسها من البكاء ! ان هؤلاء (الاديبين) تعني الادباء ، لا يمكنني ان احبهم ، قال فما لك ولهم ، فاجابت بثقة عجيبة لاني سأكون اديبة ، قال : ولماذا لا تحبينهم اذن ؟ قالت : لانهم قالوا عن ميّ ( العظيمة ) اشياء كثيرة غير صحيحة ، أوَ لم يقولوا عنها انها جُنّت لانها افتقدت مجموعة من الرسائل فما وجدتها ، ان ميّ الاديبة لا يمكن ان تفقد عقلها لأجل رسائل ، فقلت حاشرة نفسي في الموضوع — وكنت قد قطعت ساعة او بعض الساعة بمجادلة الموضوع نفسه مع ابيها ، وهي منهمكة بألعابها — فلماذا اذن جنّت ميّ يا نسيمه أمن اجل موت والديها ، قالت ابداً ابداً ، فأنا عندما تموتان لن اجنّ كما ان ميّ لم تجنّ مطلقاً ، ثم انخرطت في نوبة بكاء حاد خيّل اليّ وانا اهدهدها منه على صدري انه مزيج من الحزن على ابويها ، ومن الوفاء لميّ التي سمعت عنها الكثير في هذه الآونة ، ومن الحنق على بعض الادباء الذين اساءوا الى ميّ في حين ارادوا الاشادة بذكرها !
★
وفي سهرة من السهرات كانت تردد الصلاة التي تعلمتها في مدرستها — العذراء — من الرفيقات بصوت عال شوش عليّ تصليح دفاتر القسم الذي اتولى تدريسه ، فنهرتها بان تكف لان الله قد سمع صلاتها من اول مرة ، فجاءتني على خبث بريء تقول لي وهي تتضاحك ؛ انا اعلم لماذا نهرتني ، قلت لانك شوشت عليّ التصليح ، قالت لا ، بل لاني اتلو صلاة ليست من ديني ، قلت ومن قال لك هذا قبلاً ؟ ان كل الصلاة مستجابة يا نسيمه والله يستمع الى المسلمة كما يستمع الى المسيحية واليهودية ، قالت لماذا اذن تقول راهبتنا للمسلمات في صفنا ألّا يشاركن المسيحيات في


