وضخم هذا البناء الذي لاح من بعيد حقيراً . فهنا بئر احتفرها الاولاد بايديهم وهذه غرفة تبرع ببنائها مهاجر في الارجنتين ، وهذه مقاعد خشبية تعاون المعلمون على تنجيرها ، وهذه اغطية الطاولات زركشتها البنيات ، مصنوعات تنطق بجهود الصغار وتشع روعتها بمواهب . ولم يخف على المدير حماسي واعجابي فاطمأن اليّ ولعله أسرف في الثقة اذ اندفع يشكو اليّ رئيس المدرسة وبلاهته ويقول كل ما له في المدرسة انما جاء برغم مشاكسة الرئيس وغباوته .
ثم وقف وقال بلهجة من يفضح سراً خطيراً « انا الذي ادخل سمير الشعراوي الى هذه المدرسة بعد ان رفضه الرئيس واراد ان يتهمني بكسر القوانين » .
قلت « ومن هو سمير الشعراوي ؟ » فتطلع بي مؤنّباً مستغرباً جهلي ، ومشى امامي الى غرفة فتح بابها واشار الى حيطانها حيث انتشرت صور يدوية فتانة حملت توقيع « سمير » .
سمير الشعراوي هو ابن خطار الشعراوي تطلّع الى الوادي ، حدّق جيداً ترَ غرفة ، سمّتها بيتاً ، تكاد اشجار الزيتون تخفيها . هذه الاشجار ، وتلك الدوالي في الجلالي الاربعة ، وجل التين على حافة الساقية الجافة هي كل ما ملكه خطار الشعراوي . بلى كان كذلك يملك حماراً ، وجفت صيد . هنالك ولد سمير ، وهنالك ماتت امه وهو في الخامسة من العمر . ولقد سمعت بآباء كادوا يعبدون ابناءهم ، ولكن ليس فيهم من يقرب في هوس الحب خطار الشعراوي ، فقد كان سمير لابيه الكبير ان شعر في نفسه صغراً ، والقصر على القمة ان ادار عينيه في كوخه ، والحلم تحقق ان نزلت به خيبة . سمير سيكون كل شيء وكل عظيمة . لقد حلم بابنه ونجاحه في غفوته ويقظته حتى اختلطت احلامه بحقائق
عيشه . مرة زارنا اميرال اسطول . احلف لك ان خطار جاء يقول لي ان راية ابنه ستعقد على اساطيل الدنيا . وسمع ذات يوم ان احد مشاهير الاطباء انتزع رصاصة من رأس جريح فشفي ، فاخذ خطار يتحدث عن عجائب العمليات الجراحية التي سيجريها سمير - الدكتور سمير الشعراوي - وفي القرية اليوم من يحلف لك انه سمع الاب ينادي ابنه « يا دكتور » وكم سرح نظره في بعض قصور مدينة « عاليه » وهز رأسه ، « سترى الناس قصر سمير في مستقبل الايام ، وتضحك من هذه القصور » .
الصحيح ان اهل الضيعة الصقوا تهمة الجنون بخطار فقد كان دائماً يتحدث عن ابنه وينادي انه سينشر بيرقه على الدنيا . اما الطفل فلم يكن ليفهم اقوال أبيه كذلك لم يكن فيه الكثير من دلائل النبوغ ، بل كان كثير السهو ، كالسابح في السراب . وكثيراً ما يقف ناظراً الى اشياء لا تسترعي انتباه سواه ، ولقد لقبه عشراؤه من الاولاد بـ « ابو فحمة » ذلك لانه كان ابداً يحمل فحمة يسوّد بها الحيطان . ومرة كاد ابوه يقاتل افراد عائلة بكاملها اذ اكتشف هؤلاء ان الطفل سميراً صوّر على قبر العائلة حيواناً طويل الاذنين ذا حوافر اربعة .
بيد ان الوالد برغم مظاهر جنونه كان يعرف حق المعرفة ان نجاح ابنه مرهون بدراسته ، وان المدارس تلزمها النفقات وان صراعه مع الارض لا يوفر له ما يفيض عنه ، لذلك لجأ الى الكياسة والتقرب منا فوجد فيّ عطفاً ووداً ، واكتشف في هذا الرئيس صلفاً وغطرسة . ولكن خطار لم ييأس . ففي الصيف كان يهدي اليّ العصافير التي يصطادها وشيئاً من العنب والتين . وفي الخريف يأتيني بسلّة من الزيتون الاخضر . وفي الشتاء كان اول من يظهر من ابناء الضيعة
ليساهم في جرف الثلج عن سطح الميتم والمدرسة . وفي كل حفلة كان يدور بالابريق على الضيوف ويصفق للزائرين والخطباء .
كنت غائباً في « بيروت » قبل افتتاح المدرسة وقد بدأوا بتسجيل التلامذة . وخرج خطار من بيته عليه احسن اثوابه ووجهه يلتهب فرحاً ، وهو يخاطب ولده ، « انت في السابعة يا ابني ، صرت رجلاً يا ابني . اليوم تدخل المدرسة ،

