في جبهة الحرب المستعرة بين الانسان والمرض ، برز الانسان الطبيب ، متوفراً على دراسة فنون المرض ، محاولاً منعه او شفاءه او تخفيف وطأته . مهام ثلاث عني بها الطبيب منذ وجد ، محارباً في صف الانسان ضد صف المرض ، درء السقم وشفاء العلل وتخفيف ما فيها من ألم .
وقد وجد لدى الانسان المريض ، ضد الانسان الطبيب ، عتاب منذ بداية هذه الحروب الانسانية ضد الامراض على انواعها ، وكما ان انواع المرض عديدة وفنون تصرفاتها غريبة ، كذلك تعددت فنون الانسان الطبيب في محاربتها ، فكان طوراً ساحراً او مشعوذاً ، وثم مجرباً دون هدى ، وبعده عالماً مشخصاً فمعالجاً فواقياً .
وكان عتاب المريض او الانسان الغير طبيب ، على الانسان الطبيب ، يزداد ويتطور مع تطورات فنون الطب نفسه ، الى يومنا هذا ، فاذا باساليب المرض قد تطورت مع تطور اساليب الطب واذا بالعتاب نفسه يتطور فيصبح هو الآخر فناً او يكاد .
فما هي عناصر هذا العتب او ما هي مآخذ المريض على الطبيب ؟
ان الطبيب حيث وجد ، يؤلف وحدة اقلية في بيئته ، وما عتاب المريض على الطبيب الا عتاب الاكثرية على الاقلية ، او سجال بين هاتين الطائفتين من البشر ، ذلك السجال المتعدد الاشكال والاسباب والغايات ، والمستمر منذ كان
الانسان والى ان يزول ، عتاب او سجال او نضال بين العاطي والآخذ ، او الغني والفقير ، او العالم والجاهل ، او القوي والضعيف ، او الظالم والمظلوم ، او المستغل والمستغل ، او الحاكم والمحكوم او ذي الحق وذي البطل ، او المعلم والمتعلم ، او المحب والمحبوب ، او الذكر والانثى ، او الفرد والمجتمع ، او الواصف والموصوف ، او اذا شئت قل ، العقل والجسد ، او العلم والايمان ، او الحياة والموت ، او الصحة والمرض ... ثنائية في طبيعة الانسان مستعرة نيران تحدى شطرها الواحد لشطرها الآخر ، وتحديها المتشاد المستمر هذا ، هو الانسان بعينه ، كان بها ولا يكون بسواها .
وما مآخذ المريض على الطبيب الا فصل من فصول هذا التشاد الابدي في ثنائية الطبيعة الانسانية . وقد شهد كل عصر من عصور الانسان مظاهر مختلفة من هذا العتاب الى ان حق لنا ان نضيف في عصرنا هذا في هذا المضمار ، جبهة حرب او عتاب بين المريض والطبيب ، الى جانب جبهة الحرب الكائنة اصلاً بين الانسان والمرض .
ولعل فنون الطب ما تعددت في عصر بقدر ما تعددت في هذا العصر ، وهذا ليس فقط بالنسبة الى تقدم علم الطب وزيادة التشابك في حياة الانسان الاجتماعية ، بل الى تراكم مختلف الفنون الماضية بعضها فوق بعض ، وتجمعها كلها جنباً الى جنب مع احدث الفنون ... لذلك نرى اليوم الطبيب الساحر والطبيب المجرب ، والطبيب العالم العلاجي او
الوقائي ، في آن واحد ... يتنازع كل منهم الحرب ضد المرض في جبهة الانسان الغير طبيب ، للدرء او للبرء او لتخفيف الالم . ثلاثة اصناف من الاطباء ، لهم ثلاث غايات ، وتتكدس اليوم مآخذ الانسان المريض او الغير طبيب ، ضد هذه الاصناف وهذه الغايات جميعاً بشكل يستدعي حتى الاعتبار العلني ...
ولا يخفى ان العتب مصدره الفشل بابة صورة من الصور ولولا الفشل في الدرء او في البلاء او في تخفيف الالم ، لما كان للعتب من سبب او مجال على الاطلاق ، وهذا الفشل ناجم اما عن قصور اساسي في المعرفة التي يستقي منها الطبيب فنه او علمه ، او عن قصور شخصي لدى الطبيب نفسه في تطبيقه مبادىء هذه المعرفة على المريض او على السليم ، او عن سبب لا يتعلق لا بالمعرفة النظرية او المطبقة بل بالتعويض المادي على الطبيب لقاء استعانته بسلاح هذه المعرفة في محاربته في الجبهة مع الانسان ضد المرض . ولا بد للتدليل على مختلف هذه الانواع من الفشل من سرد بعض التفاصيل ...
كم بيننا يا ترى من افراد استشاروا زملاء اطباء فلم يستفيدوا من وصفاتهم ثم عادوا اليهم مرة ثانية وثالثة


