وعادوا الى شراء ادوية جديدة دون الحصول على اية فائدة ، فعادوا لاستشارة سواهم وسواهم وكانوا كل مرة يخرجون من عيادات الاطباء اما بطلبات تحاليل وتصوير او بوصفات تلو وصفات ، ولعنات من طبيب على طبيب ، وكانت الاعراض تزداد دون ان تضعف ، الى ان قنطوا من الطب والاطباء ، فقرروا ، استماعاً لنصائح الجيران والاصدقاء استشارة الاطباء العمليين ، كالمجبر او الكاهن او الشيخ او الداية ، او الممرضة العملية او فلان الفلاني ذي الشهرة بعمل الابر ، فيصف هؤلاء لهم الحشائش او الكي او الصيام ... دون جدوى ، فيعودون الى اطباء قانونيين ليخرجوا من عياداتهم بجيوب خاوية ووصفات غالية ، لا توجد الا في اوروبا واميركا ، او روسيا ، او لا توجد الا عند الصيدلي الفلاني دون سواه ، او لا توجد الا لدى الطبيب نفسه ، ولكن بثمن باهظ لقاء قلة وجودها ، فيضطروا يأساً ، ان يرهنوا المصاغ او يبيعوا قطعة الارض ، يستدينوا مبلغاً بفائدة ، ليجربوا هذه الادوية الحديثة القوية المفعول باذن الله ... ثم لا يلبث ان يظهر لهم بطلان فعلها هي الاخرى ، رغم غلاء ثمنها وندرة وجودها ، فيعكفون على الدجالين ، من المنجمين او ما اليهم ، فيكوون اجسادهم في اماكن الالم او يربطون خيطاً في المكان الفلاني لعل علة تختفي من اجسامهم في المكان الفلاني الآخر ... وهكذا يكون الواحد منهم ، قد بدأ بعلة بسيطة ، عصت على طبيب اساء تشخيصها ، فاستعصت على نفسية المريض وعلى جيبه ، وكلفته استشارة طبيب ثان وثالث وثمن تحاليل ووصفات متتاليات ، اضطر بعدها الى اللجوء الى اطباء غير قانونيين ، ومن الى دجالين ، وكل ذلك دون جدوى ، ويخرج المريض من كل هذه المعمعة شديد المرض ، خالي الجيب ، ذاخر الادوية ، فاقد الثقة بالطب
والاطباء .
وكم بيننا من اشخاص اضطروا الى شهادة طبية للتوظف او للسفر او للزواج ، فلم يحصلوا عليها الا من اطباء معينين من قبل الشركات او المدارس او المؤسسات او الحكومات ، ولا يجدون من يثق بهذه الشهادات لان سمعة شهادة الاطباء كسمعة شهادة الحمالين ، او السكارى ، لا صحة لها ولا قيمة ولا مجال للاعتماد عليها عند الحاجة او في الملمات على الاطلاق .... يحصل عليها من يشاء وبطريقة غير فنية ... لقاء مبلغ معلوم .
او ليس بين القراء الكرام من يعرف قصصاً وقصصاً عن تكتل الاطباء بعضهم مع بعض ، اخفاء لتشخيص احدهم المغلوط ، او محاولة للاساءة المجحفة بسمعة احدهم ، او سمسرة من بعضهم لبعضهم الاخر ، او لجماعة من الصيادلة او من ذوي المختبرات ، او تواطؤ من قبل بعضهم مع بعض العملاء الرخيصين من غير ذوي المهنة ، الذين يقفون في طرق المرضى لاصطياد البسطاء منهم الى فخاخ الجشعين المستغلين من الزملاء ؟ انا اتكلم كطبيب ولكنني اتكلم بلسان المريض ، وانا جد عالم ان التشهير بمهنتي امام الناس ليس مدعاة لكرامتي الشخصية ، لا في اعين الزملاء ، وربما ، ولا في اعين الناس ايضاً الذين ادافع عنهم في هذه المناسبة ؟ والتشهير العلني طريقة في النقد ، هدامة خاطئة ، والخطأ لا يصلح الخطأ .... ولكنني اعلم في الوقت نفسه ، ان كرامة مهنتي في اعين الناس ، لم يعد ممكناً الدفاع عنها بالتستر التكتلي ، فقصصها شائعة بين الناس كلهم ، وعتاب المرضى على الزملاء ليس له آخر .... من حيث القصور في علم الطب نفسه او من حيث جهل بعضهم كأفراد ، بهذا العلم او من حيث اجورهم ، ومدى استماتتهم في سبيل مصلحة الجيب على حساب شرف المهنة ومصلحة
المريض .. واني واثق انني لا اشهر هنا بزميل معين اذ لا يجوز ذلك بحال من الاحوال ، ولست اذيع سراً اذا قلت ، ان مقام الطبيب في المجتمع في الوقت الحاضر ، لم يعد كما كان من قبل ، ذلك المقام الذي كان يشار اليه بالبنان ، مقدساً ، محترماً ، بقدر ما هو واسطة لتسخير العلم لمنفعة المريض قبل منفعة الطبيب ، فيدرء المرض او يبرئه او يخفف الالمة ، بل اصبح ، بالعكس مجرد مهنة للارتزاق .. فالطبيب يسر بمرض الناس لانه يعيش على حساب مرضهم ، والطبيب يزداد ثروة كلما ازداد الناس مرضاً ، وكلما ازدادت بيئته وباء ، ولو كانت هذه الثروة على حساب ثروة المريض فحسب ، لهان الامر نوعاً ، ولكنها على حساب ثروته وصحته معاً ، وعلى حساب ثروة وصحة السليمين ممن يعولهم المريض نفسه ، في

