

الوقت ذاته ... ألا يكفي المريض تعاسة أنه يصاب بالمرض ، فيضاف إلى هذه التعاسة ، تعاسة اضطراره لدفع ثمن المرض تشخيصاً وعلاجاً وحرمان عمل ، خصوصاً في الأمراض التي لا يمكن المريض الفرد أن يقي وحده ، نفسه منها ، بل تكون الحكومة أو الجماعة والجسم الطبي نفسه ، مسؤولين جميعاً عن اصابته بها ؟
أجل ، لم نعد نحن جماعة الأطباء ، نطيق عتاب المرضى الفاضح لنا ، فتارة نستنبط العيادات المجانية دعاية لنا لاخدمة للمريض ، وتارة أخرى نستنبط بدع الضمان الطبي على أنواعه ، ومحوره في الغالب ، مصلحة الطبيب ، قبل مصلحة المريض ... وما هو ذنب المريض ، إذا كان الطبيب ، قد أمضى سنيناً ، هذا عددها ، في تحصيل علمه ، وصرف أموالاً هذه درجة ديونها ، قبل الحصول على شهادته ، وقد ازدادت مطالب عائلته ، حتى يدفع لهذا الطبيب الغالي الثمن ، المديون ، صحته وماله معاً ، ثمناً لاستشارته ؟ أن حججنا نحن الأطباء ، ضد المرضى عديدة ، فهم في أعيننا ، جهلة ، لا يتبعون النصائح كما يجب ولا يطلبون المعونة الفنية إلا بعد استفحال العلة وفوات الأوان ، ولا يقدرون العلم حق قدره ، ولا الطبيب إلا متى غلت أجوره ، أو كثر ذمه لزملائه أو تبجحه عليهم ، لذلك يضطر الطبيب ، نزولاً عند هذه العقلية في محيطه ، أن يهبط من مستواه العلمي والخلقي إلى مستوى المصلحة ، لكسب القوت .
وليعلم ، في هذه المناسبة ، كل مواطن وكل زميل ، أن كل نظام للتطبيب ، لا فرق ، أكان النظام القديم بالممارسة الشخصية ، أو الجديد بالممارسة الجماعية ، بضمان أو بدون ضمان ، لا يمنع الطبيب من الزلل الخلقي أو العلمي ، لأن ممارسة الطب ، في النهاية خدمة علمية وتضحية نسكية خلقية ، ليس إلا ، وكل طبيب
لا يقبل بهذا الصليب الطبي ، عليه أن ينتحي عن الطب ، ليفسح المجال لسواه ليتعاونوا فيما بينهم على حمله ، لذة منهم ، ليس إلا ، في درء العلة وبرء السقم وتخفيف الألم ، وليختطوا بهذا النفث ، لا بالنفث النفعي ، تصاميم الضمان الطبي ، لتأمين الفائدة العلمية ، الجيدة والكاملة ، لأكبر عدد من أكثر الناس احتياجاً إليها وبأرخص الأثمان .
نعم أن عتاب المرضى قد ازداد حتى كاد يقوض دعامة التكتل الطبي ، ولا يمكننا ، نحن معشر الأطباء أن نحافظ على كرامتنا ، بالتكتل أو بالنقابات بل بوقف عتب الناس علينا ، ومنع مآخذهم على جماعتنا ، بأن يعد كل واحد منا نفسه مسؤولاً عن صحة محيطه ، ووعي مريضه للامور الصحية الأساسية ، ووعي حكومته لواجبها الوقائي ، ومسؤولاً في الوقت نفسه ، عن اتقان عمله كل الاتقان ، بالمواظبة على الدرس والاطلاع على المستحدث والبحث عن الجديد وبتكريس علمه واسطة للمريض كغاية في نفسه ، دون حسبان علمه والمريض معاً ، واسطة لشهرته وارتزاقه ليس إلا .....
أجل أن الطب البشري ، كان في عليائه خدمة ، فيجب أن لا نحط من كرامته ، بجعله مهنة .
الدكتور زكن شخاشيريأمين سر الجمعية اللبنانية للصحة العامة
