

كان فؤاد سليمان ارستقراطي الروح والجسد ، ارستقراطي الوجه فيه نبالة ما تعرف الصغار ، والجبين لا ينحني في ذلة العار : ما رضي مرة بمسة انسان عليه ، ولا سخّر قلمه او قلبه لغير ما كان مؤمناً به .
وحمل فؤاد بين جنبيه قلباً ، بمثل قلوب الأطفال براءة وطهراً ، وبمثل اليقين لا يشوبه ظل لريبة او شك . ويا لهذه الثقة بالنفس ما كان اروعها فيه . ويا لهذا الحماس الناري ، يشدّ به اصحابه إلى فوق - دائماً إلى فوق - كأنما يؤكد لهم : « سامشي بكم إلى القمم ، وبي وثوق من نفسي انني انجاسر على القمم ... »
وكان لزوجته جوزفين ولأطفاله الثلاثة ، الحبيب الوفي ، والأب الحنون . هنؤ في سنوات زواجه العشر ، إلى ابعد ما يتمناه انسان من السعادة العائلية المثلى ... وكانت اطيب اوقاته إليه ، تلك التي كان يقضيها في بيته ، بين أهله ، يخلق فيهم جواً من المرح البريء ، والدعابة الحلوة .
ما كان انبله ، فؤاد سليمان : صديقاً وزوجاً واباً ...
يا أبا ربيع !
ما أقصر هذا الربيع الذي أعطيته لربيعك ، ولأم ربيعك ، ولإخوة ربيعك ! وما أدنى الخريف منه !
*
عشت من الربيع عمر وردته .
واعطيت للحياة ما تعطيه الوردة : طيب شذى ، وطيب رضى ، وانسجام لون ، وسياجاً للحق وللجمال !
*
يا أبا ربيع ،
يرتجف قلبي ، ويغص بالحبر في فمه ، حين يراني اكتب في موتك ، وريشته ما برحت مبتلة بالحبر الذي سال يوم عرسك !
*
وفي اذني ما زالت ترن تلك الكلمات التي قلتها لي حين عدتك في المستشفى بعد رجوعي من اميركا : « أين قصيدتك في رثاء فؤاد » ؟ فلم أتأكد اذا كان قولك عتاباً ودعابة ، او شعوراً بالحقيقة المفجعة ، ولكنني ، في الحالتين ، ما اردتك ان تقوله !
*
يا أبا ربيع ،
بموتك سكت لسان حر ، وقلم مر ، وقلب كأنبل ما تكون القلوب !
*
لسان يكبر الجرجرأته «ويشتهي» الجميع طريقته في سكب حديث الصداقة ، وفي القاء الدرس ، وفي بحث الاصلاح الوطني العميق !
*
وقلم اغناك عن السوط ، وعن المدفع ، وعن القنبلة الذرية ! ما حرّكته مرة إلا ليكون الشوكة لمن يبتغي اغتصاب الوردة !
*
او ليكون الوردة لمن يستحقها ...
*
وكم من قصيدة لك ارادها أدبك الرفيع باقة في يد الشعر العربي ، فخبأها ذلك التواضع الذي ما عرفت إلى اليوم سر انسجامه مع تلك الثقة بالتفوق ! ..
*
فلقد استبقتنا إلى حقائق اوضحت لك بطلان الشهرة وما إليها ، فلم تنشر ديواناً . ولا وقعت مقالاً ، وإنما استعرت الأسماء ، وجعلت من الأسماء المستعارة ادباء !
*
آخرهم « تموز » الذي سيطول انتظارنا له وشوقنا إليه . في الرصيفة « النهار » !
*
وبموتك سكت قلب أحب فعرف كيف يحب ، وأخلص فعرف كيف يكون الإخلاص ! ضاق حتى لم يبق فيه متسع لغل او حقد ، واتسع حتى رتع فيه أصدقاؤك ، وهم كثيرون ، ووطنك وهو كبير ، وآمالك وقد كانت لا تحد !
*
يا أبا ربيع ،
ما أقصر هذا الربيع الذي أعطيته لربيعك .
*
ألا أن يكون اسمك العاطر وروحك الطاهرة عنصري ربيع حقيقي ؛ يظل أطفالك ويرعاهم ؛ إلى أن يحقق حلمك وامل محبك فيهم ، بعون الله فيطمئن قلبك في السماء وتشعر نفسك بالرحمة وبالراحة .