ليس افعل في النفس من عظة تنفذ في عمل لا سيما وقد بطلت لغة الكلام والمواعظ فما احوجنا الى الاعمال لا الاقوال لتثبت عظمتنا الحقيقية . ولنا خير مثال في سيرة المع سيدات الاجانب في هذا العصر . التي لو نشدت الغنى لوجدته متيسراً او طلبت المجد لاستطاعت احتكاره لان في يدها زمام الحكم الخفي ، ترفع من تشاء من المجدين وتخفض الى الحضيض من خاصمها . كل هذا النفوذ لم يغرها بل قلبت له ظهر المجن مختارة مغتبطة مستصغرة اهداف البشر البراقة المزخرفة وانصرفت الى هدفها الاسمى وهو كيف تكون زوجة صالحة واماً مضحية ومواطنة مخلصة وهي السيدة « دويت ايزنهاور » التي لم تبطرها النعمة لتسلم زوجها اسنى رتب الجيش بل لا تزال اليوم وهي امرأة اعظم قائد او ربما ، رئيس جمهورية اميركا في المستقبل ، كما كانت منذ خمسة وثلاثين عاماً امرأة ابسط ملازم في الجيش تتفقد جيرانها بشوشة لطيفة معهم .
لا بد ان نتساءل لماذا اختارت السيدة ايزنهور هذا المسلك الوضيع وكيف صمدت تجاه تجارب ومغريات هذا العصر ؟ الامر بسيط يرجع الى نشأتها الاولى في احضان والديها فكل منهما لم يتعد وظيفته . الاب للتحصيل والام للسهر على شؤون المنزل وتربية الاطفال التربية الصحيحة بالرغم من توفر الثروة لديها . اشرفا على كل ما يختص باولادهما والمنزل فهذه العيشة الهانئة الراهنة تأصلت بذاكرة الطفلة النابغة التي كانت بهجة محيطها يتسابق ابناء جيرانها لارضائها وتقديم خدماتهم لها كما كانت على جانب عظيم من جمال الخلق والخلق وهي لا تزال تذكر تلك الاوقات السعيدة حتى اليوم باعجاب .
شاء القدر ان يضيف الى مباهج حياتها بهجة جديدة باختيار الزوج الصالح لها ففي تموز عام ١٩١٦ زفت الى الملازم آيك ايزنهور في مدينة دنفر حيث ابتدأت والدتها حياتها الزوجية السعيدة فكان فألاً مباركاً للعروسين الشابين هي في التاسعة عشرة وهو في الخامسة والعشرين . وبعد يومين من زفافها توجهت الى حمويها وشتان بين بساطة عيشهما وابهة دنفر عند والديها

ولكنه الحب يخلق من الكوخ قصراً ومن الحنظل حلاوة ، فموسيقى صوتها العذب كان دليل سعادتها ورضاها غير حاسبة ان اتفه الامور بنظرها ستصبح احد منغصات عيشها وهو فن الطهي فقد فشلت بهذه المهمة فاضطرت هي وزوجها الى الالتجاء للمطاعم وراتب ملازم لا يكفي لهذا الاسراف فتذكرت آخر كلمات امها وهي : « على قد بساطك مد رجليك » فحزت بقلبها كالسياط ولفورها باعت هدايا عرسها لسد العجز واقبلت تستم
نصيحة ابيها وقد نجحت ونجح معها زوجها اذ ترقى الى رتبة ملازم اول وكان ذلك في ابتداء الحرب العالمية الاولى ، ثم دعي للدخول الى المدرسة الحربية بوشنطين حيث تخرج منها حاملاً اوسمة الشرف وتوجه الى اوربا لتأليف كتاب عن ابطال الحرب فصحبته زوجه الى باريس ولاول مرة بعد زواجهما خصص لها منزل مؤلف من اربع غرف غبطتها عليه صديقاتها اما هي فلم يتغير شعورها حتى بعد ان اصبح زوجها قائداً بخمس نجمات . واصبح منزلها قصراً يضاهي قصر الرئيس ومحجة الشعب والامة ، كانت تتألم اذا دعاها احد اصدقائها بغير اسمها الاول وقد حسبت هذا التقدم وظيفة عادية كما كانت وظيفتها لتكون خير زوجة وابر ام . كانت تنهال عليها الدعوات للولائم والمآدب والحفلات والسهرات فترفضها جميعاً لا سيما بعدما ان دخلت اميركا في الحرب العالمية الثانية فكانت تجيب كل دعوة توجه اليها : « من العار ان انتقل في دور المباهج والمسرات واولادنا يشربون كأس الموت والحسرات » . فكانت لا تشاهد الا في دار الصليب الاحمر ناشدة عمل البر والاحسان .
سئلت مرة ما هي امنيتك فاجابت : « رجوعي الى مزرعتي القديمة فان فخامة القصور لا تغريني والالقاب الرنانة لا تبهجني وصولة السلطان لا تبهرني فكلها لا توازي يوماً بين اصدقائي بمزرعتي القديمة » وهي تعمل للحصول على هذه الامنية لان سوس العظمة الزائفة لم تؤثر بها كما نخر كثيراً من نساء عظماء هذا العصر بل بقيت هي هي متواضعة مخلصة الى الرجال والنساء من اصدقائها الامس واليوم والى الابد .
