من مغن خاص الى مغن للجمهور ، اذ ان الام اصرت ان تكون الموسيقى جزءاً من حياتهم من البداية . فكان للاطفال طاولة خاصة تدار فينتقوا منها اسطواناتهم قبل ان يعرفوا قراءة اسمها . واستطاع الاطفال ان يغنوا اغاني الطفولة والروضة قبل ان يتعلموا الكلام . وكان لا بد للوالدين من الاشتراك مع اطفالهم وقد وجدوا فيهم كل هذه البوادر الموسيقية المشجعة .
وكانت حصة الوالد في الغناء حسب سن الاطفال . اذ ان الام اعطته نصيحتها : « اذا استطعت ان تتعلم الاغاني قبل ان يفهموا قيمتها بوقت قصير ، تستطيع ان تسير معهم حتى النهاية . » ولم تستغرب شيئاً حين اضاف الى مجموعة اغانيه اغاني برامز . وتعود الاطفال ان يطلبوا من والدهم اغنية كما يطلب باقي الاطفال قصة تماماً .
عندما اكتشف الوالد انه يستطيع ان يعرف القطعة ويتابع غناءها بالسمع ، شرع يستعمل هذه الامكانية الموسيقية في البيت اولاً ، فلم يكن منهم من ينتقده ، ومن ثم في النادي . وكان في كل اغنية يبدأ بمتابعة اللحن ذاته في البدء ، ثم يجرب ان يغني كل ادوار الكورس . وفي وقت قصير صار مشتركاً رسمياً في نادي الغناء فكان يجلس في التجارب متظاهراً بأنه يقرأ النوتة ومتابعة لقائد الفرقة من اجل حسن التعبير في غنائه . وكثيراً ما حلم بتجربة صوته امام حكم موسيقيين .
ولقلة وقته ، اختصر من غناءه في البيت ، ولكنه جرب كل الوقت ، متعاوناً مع الام ، ان يجعلوا كل حفلات اولادهم واجتماعاتهم بزوارهم الصغار تتحول دائماً الى غناء ورقص . وكان همه ان يؤثر في كل العائلات المجاورة .
وفي هذه الفترة اصبح الراديو والجرامافون عديمي الفائدة ، فجاء للبيت ببيانو صغير . ومنذ ذلك الحين وهو يفكر في امكانية كونه عازفاً ومغنياً . ولم
ينتقده احد في البداية وهو يحاول كل الالحان والمفاتيح الموسيقية ، إذ انه اهتم بالعزف بدون صخب او ضجيج . وكثيراً ما ساعدته الام والاطفال بالغناء معه ، فكان يشعر بالعظمة آنذاك .
وكان الوالد قد اشترى كتاباً عنوانه « التسلية بالموسيقى » فعلمه هذا الكتاب كيف يلعب على اوتار ثلاثة فقط ، فوجدها كافية لمساعدته في اغانيه التي يعرفها فاكتشف بعد حين ان كل الاغاني والالحان يمكن ان تعزف من اي نوته ، ولم يتغلب في زيادة شيء هنا وهناك الى اللحن . الى هنا ولم تحتاج ثقافته الموسيقية الى معلم خاص . ولكنه عندما قرر ان يأتي بمعلم موسيقي لاطفاله ، اراد ان يتأكد من انهم لن يعزفوا الموسيقى لمجرد المباهاة بها ، بل ارادهم ان يغنوا ويعزفوا للتسلية في اسهل الطرق .
وقد كان البيانو اساساً للفرقة الموسيقية في عائلة الوالد . فأتى لاحد الاولاد بأكورديون ولآخر بهارمونيكا ، ثم بعد وقت قصير استطاعوا ان يشتركوا في العزف على الجيتار وغيره . وعندما يأتي الجيران باسطواناتهم ليسجلوا ، وجدوا عازف الكمان وقد شد بعزفه عن باقي الفرقة . ولكن الضجة كانت كافية لتفرق هذا التخديش المزعج .
هذه هي قصة الاب الذي قاد بنجاح حياة اولاده نحو الموسيقى ، وهي نادرة في باقي البيوت ، مع ان كثيراً من الوالدين قد اكتشفوا موسيقى التسلية بالطريقة ذاتها ، ولكنهم لا يبادرون الى انعاشها ونجاحها . وهكذا اختفى مركب النقص القديم بتاتاً .
عن مجلة : House Beautiful
ترجمتها « لصوت المرأة » : كرم تنير

