لوجدنا ان كثيرا من المؤلفين ينفون ان يكون لهؤلاء حق التمتع بما يتمتع به ازواجهن ، ويستندون في ذلك الى نصوص بعض الاتفاقيات كاتفاقية الهافان ( Havane ) المعقودة في سنة ١٩٢٨ او الاتفاقية المعقودة بين السار ( La Sarre ) وفرنسا سنة ١٩٥٠ التي تقول بان الحصانة لا تتعدى الموظفين الرسميين ولا تلحق بافراد حاشيتهم ، ومن البديهي ان زوجة السفير ليست في عداد الموظفين الرسميين . بيد ان المحاكم بقيت سائرة على النهج القديم معتبرة ان تلك النصوص تتعلق بحالات خاصة وتطبق في تسوية علاقات الفرقاء المتعاقدين وحدهم ، فالعرف المتوارث والاجتهاد السائد ان زوجة السفير يجب ان تعامل على قدم المساواة مع زوجها لجهة تلك الحصانة ولا يجوز بالتالي مقاضاتها .
لقد رأى الاجتهاد في ذلك ضرورة تجب المحافظة عليها خشية ان يصبح السفير مدعاة للقلق بمقاضاة زوجته اذ تكبل عندها حريته ويصبح عاجزا عن القيام بالمهمة المنتدب من اجلها بصفاء وارتياح .
والحصانة التي تتمتع بها المرأة شروط يجب ان تتوفر فيها ، اولها ان تكون الزوجة مقيمة مع زوجها في البلد الذي ينتدب له ، واقول مقيمة معه لا تحت سقف واحد بل ان لا يكون قد صدر بينهما حكم بالتفريق . بيد ان هذه القاعدة لم تطبق في بعض البلدان ومنها بريطانيا التي فضلت الافراط في التسامح وعلى ذلك أورد الشاهد الآتي : في الثامن عشر من شهر ت ٢ سنة ١٩٠٧ اقيمت دعوى امام محاكم باريس بوجه زوجة ممثل دبلوماسي بمادة اقتناء سيارة لم تدفع الزوجة ثمنها . ومع العلم بان الزوجة آنذاك لم تكن تعيش مع زوجها السفير اذ كان قد صدر حكم بالتفريق بين الزوجين ، الا ان المحكمة آثرت ان تعتبر ان الزوجة مصانة بالحصانة الدبلوماسية وغير خاضعة لسلطة المحكمة .
هذا ولنتساءل فيما اذا كان يحق لزوجة السفير التي اعترف لها بالحصانة ان تتذرع بها اذا ما اقيمت دعوى بوجهها امام بلد يقيم فيه زوجها السفير وكانت تحمل جنسية هذا البلد ، بمعنى آخر وزيادة في الايضاح ، افترض ان يكون في لبنان سفير اميركي متزوج من لبنانية : فهل يحق لدائن لها في بيروت مثلا ان يقاضيها امام محكمة لبنانية ، ام ان الحصانة تحول في هذه الحالة ايضا دون مقاضاتها في لبنان ؟ اقول الحق اني لم اعثر بعد على اجتهاد قضائي بهذا الخصوص يلقي ببصيص من نور على هذه العقدة . غير ان الشراح والفقهاء في كثير من البلدان نفوا العمل بالحصانة ، ومن بين هؤلاء العلامة Niboyet اذ قال : لو سلمنا بان الحصانة تلحق زوجة السفير حينما تكون حاملة جنسية البلد المنتدب فيه ، لسدّت منافذ العدالة في وجه المدعي ، اذ لو تقدم هذا الاخير بدعواه امام محكمة بلد السفير لكان مصيرها
الرد لعدم الصلاحية على اعتبار ان المدعى عليها هي من اصل اجنبي ومقيمة في بلد اجنبي . ولكن الفقهاء البريطانيين لا يعيرون مسألة الجنسية هذه الاهتمام الكافي وهم ينادون بالحصانة بمجرد كون المدعى عليها زوجة لسفير اجنبي .
هذا ونظرية الحصانة لم تمنع المحاكم من اقرار صلاحيتها في بعض الامور الناشئة بين السفير وزوجته في حالات خاصة تتطلب العجلة في البت ، اهمها دعاوي التفريق والنفقة والمسكن الشرعي ورعاية اولاد السفير او السفيرة حينما يحكم بالطلاق . كما يجب ان نوضح هنا ان الحصانة ان كانت تشمل الدعاوي الشخصية ، الا انها لا تلحق بالدعاوي العينية ، اي الدعاوي المتعلقة بحقوق على عقارات ، لانه لو شملت الحصانة امثال تلك الدعاوي ايضا لفسد الحق وزاغت العدالة لان مبدأ الصلاحية العام يقرر ان المحكمة صاحبة الاهلية للنظر في الدعاوي العينية هي محكمة موضع العقار دون سواها .
وبعد ، فهل يحق لزوجة السفير ان تتذرع بالحصانة من اجل دين ترتب في ذمتها قبل انتدابها او انتداب زوجها سفيرا في بلد الدائن ؟ الجواب سهل بسيط ، لان الايجاب في هذه الحالة لا يقبل الجدل اذا اقيمت الدعوى اثناء مدة التمثيل الدبلوماسي . اما اذا انتهت هذه المدة فهل تجب المحافظة على الحصانة ؟ هنا نجد ان الرأي الراجح هو في الابقاء على الحصانة وان كان في ذلك امر لا يقره العدل ، اذ ان العرف قد اثبته وابده .
ولنتقل الى شعبة اخرى من شعاب هذا الموضوع وهي التعرض للبحث عما اذا كانت هذه الحصانة تلحق بالمندوبة بزوجة السفير في كل البلاد اذ انها تقتصر فقط على البلد الذي خصص للتمثيل ؟ في الواقع ان الجواب على ذلك ليس بالسهل ، اذ ان منهم من قال بان الحصانة لا تفارق شخص الدبلوماسي منذ اليوم الذي يبارح فيه ارض وطنه منتقلا الى ارض الدولة التي سوف يقيم فيها من اجل مهمة التمثيل المحكي عنها ، واذكر تأييدا لذلك حكما صدر في الرابع من شهر ت ٢ سنة ١٩٥٠ عن محكمة استئناف الولايات المتحدة في اميركا ، وفيه قررت المحكمة ان قنصل فرنسا في بوغوتا Bogosa الذي اقيمت عليه الدعوى اثناء مروره في الولايات المتحدة ، تلحق به الحصانة بيد ان هناك من يدحض هذا الرأي معتبرا ان الحصانة في بلد المرور منفية لانعدام العلاقة المباشرة بين بلد المرور ومهمة السفير . غير ان الرأي الاول هو الاصح ، وقد اثبتته اجتهادات عديدة ، كما ان الشراح يذهبون الى ابعد من ذلك وينادون بوجوب التمسك بالحصانة لا في حالة المرور فحسب ( Transit ) بل حتى اثناء الاقامة المؤقتة في بلد غريب عن بلد التمثيل . واستشهد بقرار صادر عن محكمة باريس في سنة ١٩٠٩ فحواه ان زوجة سفير
