في ظلام ليلة ما ، عندما هجع الناس وناموا ، انحدر ملاك السلام الى دنيا الآلام يحمل طفلاً ، وبدا كأن كل شيء سيظل كما هو ، فالرومان بآلهتهم المتعددة ، وبقسوتهم الوحشية ، ومتعهم المتمركزة في مشاهدة اسود تمزق بشراً ، وبشراً يمزقون ثيراناً وعبيد تلهب السياط اجسادهم ، وخمر ونساء .. واليونان بفلاسفتهم ، وجماهيرهم المثقفة المتجمعة في الازقة تناقش وتباحث ، والعبرانيون بانتظار ملك يؤسس لهم مملكة ويلتفون حوله ، كل ذلك بدا كأنه سيظل يسير مع العالم سيره المعتاد ، لم يشعر بالحدث العظيم الا بضعة رعاة سذج ، رأوا نجما غريباً وسمعوا جوقة ملائكية تنشد ، ثم مضوا وراء النجم ، فسجدوا وفرحوا ، وعادوا الى غنمهم ، والى عملهم كالمعتاد .
وفي ظلام ليلة اخرى ارتعشت نفس هيرودس انتیاس ، وثارت ثورته ، ذلك الحاكم الملقب بالدموي ، احمر شعر الرأس واللحية ، احمر الرداء الارجواني ، احمر اليد الملطخة بالدماء .. لقد قتل هيرودس مع من قتل امه وزوجته ، وقتل بعد ذلك يوحنا المعمدان الذي كان يحبه ، قتل هؤلاء وامثالهم في نزوة من نزوات نفسه الشريرة ، فلماذا لا يقتل في هذه الليلة المظلمة مئات الاطفال الابرياء .. ؟ لقد قال له حكماء المشرق ان نجما خاصاً بدل على مولد عظيم قد ظهر . وقال له رؤساء الكهنة العبرانيون ان ملكهم المنتظر سيولد في بيت لحم . ومولد ملك ، وفي بيت لحم يهدد كرسي هيرودس . اذاً ليقتل الاطفال كلهم هناك ، وهكذا يزول الخطر الذي قد يهدد الكرسي .. وقتل جند هيرودس مئات الاطفال في الليلة المظلمة ، فجرت الدماء ، وعلا عويل الامهات ، وتمزقت اكبادهن ، ثم عادت الدنيا تسير سيرها المعتاد .
وفي ظلام ليلة ثالثة حيكت خيوط جريمة ، ثم حكم على شاب بالموت . وخيل للحاكمين والمتآمرين ان كل شيء قد انتهى ، انه مجرد شاب ثائر تتجمع حوله الآلاف اين مضى ، ويطالب قومه العبرانيون بموته لانه يحور ناموسهم ويمس عقائدهم ، اذاً ليكن ما يريدون ... وكان لهم ما ارادوا . وعادت الدنيا كما خيل لهم جميعاً ، تسير سيرها المعتاد .
ومرت الاعوام ، فاذا بكل ما حدث يسجل في ابرز صفحات التاريخ ، واذا بالطفل الذي ولد في مغارة واضجع في مذود ومات بين لصين ، يقلب الاوضاع ، يهز الممالك فتنحني امامه التيجان ، ويغير كل تشريع فكأنه مسح بيده الحنون على جباه الناس فحول ما في داخلها الى شيء أرق ، واكثر انسانية ، او كأنه تنفس انفاس الرحمة فحول الدنيا ومن فيها من مجرد بشر ، الى اناس على صورة الله وعلى مثاله .
وكان لا بد للطفل العظيم من عيد ، وكان ان عيد الناس للذكرى السامية كل عام ، فهل ادركنا معنى العيد .. ؟ والمألوف ان يقدم الناس هداياهم لصاحب العيد ، فهل قدمنا هدايانا .. ؟
جاء العيد فصلينا ان كنا ممن يصلون صلينا لنمحي آثام الماضي من صفحات كتابنا ، ولكن لماذا .. ؟ ألكي نجد صفحات جديدة نخط فيها آثاماً جديدة ، بعد ان امتلأ الكتاب واسودت الصفحات .. ؟
جاء العيد فأتممنا الطقوس والمراسم المعتادة ، انرنا الشموع فأنارت ما حولها فقط ،
وصعدنا الاناشيد الدينية من شفاهنا فرددت صداها الارجاء القريبة فقط .
جاء العيد فأكلنا هنيئاً حتى انخمنا ، وشربنا مريئاً حتى ثملنا ، ارتدينا اثمن الملابس وسرنا بها مختالين فخورين ، قدمنا الهدايا للاصدقاء الذين يقدمون لنا بدلها ، اما صاحب العيد وما يسره فقد اهملناه .
وصاحب العيد لا يرغب في هدية لنفسه ، انه منذ ان اختار مذود البقر مهداً له ، اراد ان يفهمنا ان القصور والماديات تافهة في عينيه ، ومنذ ان اختار الفداء طريقاً ، اراد ان يفهمنا ان التضحية والبذل هما هدف تعاليمه وغاية وجودنا .
وصاحب العيد يهمه ما هو اثمن من المال ، وما لا يشترى بمال ، ان تعطي ولكن ببسمة ، وان تعطي من اعماق قلب راضٍ ، سعيد بيده .
ان تعطي من قلبك ، ان زورة لمريض ، وبسمة لمدنف ، وكلمة حنان لبائس ، تعكس المحبة التي قدمتَ على المحيا المقابل ، فتفتر الشفاه المقفلة ، ويستريح القلب المتعب ، واذا بصاحب العيد يتقبل العطاء شاكراً ، لأن ما اعطيت هو ما يرغب فيه ، وما ظل لاعوام الامثولة الحبيبة الى نفسه ، والتي رددها اتباعه بعد قائلين : المحبة تستطيع كل شيء .
ولقد تعطي من قوتك ، تسهر على ضعيف ، او تعنى بصغير ، او تنير عقل جاهل ، وتريح جسماً متعباً ، فاذا بصاحب العيد يتقبل العطاء ، ذلك لانك كرست قواك لخير المجتمع الذي كرس هو حياته لخيره .
ولقد تحارب الشر ونوازع النفس الامارة بالسوء حتى تنتصر ، فيبزغ النور من نفسك ليضيء حولك ويتضوع اريجك فينشقه القريب والبعيد ، واذا بصاحب العيد يهمس في اذنك باسماً : اجل يا بني هكذا فليضيء نوركم قدام الناس .

