بلى ، لقد يبزغ مع فجر العيد فجر ينير نفسك ... تسمع غاندي يقول : اعطوني مسيحكم لامسيحيتكم فيؤلم نفسك ان تتسع الشقة بينك وبين الطفل الذي تعبد ، فاذا بك تنتفض بغتة لتسير على خطواته ، تحب قريبك كنفسك ، تقابل الشر بالخير ، من سخرك ميلاً سرت معه ميلين ، وهكذا تسعد صاحب العيد في عيده .
ألا ان البشرية اليوم تترنح اعباء ، ولا سبيل لانعاشها ما لم تجند النفوس المصلحة بكل قوتها للاصلاح . البشرية اليوم تتكشف مطامعها فكانها الذئب الجائع يكشر عن انيابه ليفترس ، والبشرية اليوم كأنما عادت الى الوراء اجيالاً ، عادت الى ما قبل ميلاد السيد ، ففي خلقها من قسوة الرومان ومن متعهم البشعة ، ومن فلسفة اليونان قبل ان يعرفوا الله ، ومن تمسك العبرانيين بملك الدنيا لا يريدون غيره ، فيها من هذه الاشياء ما جاء صاحب العيد ليدوسه ، ويسمو بالناس عنه ، ولكأني بالدنيا قد تناست معنى العيد وتعاليم صاحبه ، فلم يبق لها من العيد وذكرياته ، الا ثوب انيق وطعام فخم ، وليلة راقصة .
البشرية اليوم تنحدر وتنحدر ، ولا سبيل لتوقي المصير المحتوم ، ما لم تسم النفوس ، وتفهم معنى العيد ، وما لم تنتق القلوب فتحذو حذو صاحب العيد بتساميه وزهده .
أقبل العيد ، عيد الطفل الناصري ، ابن النجار الذي قلب الاوضاع ، لم يعد هناك مبدأ عين بعين ، وسن بسن ، بل حل حله مبدأ اغلب الشر بالخير ، لم تعد هناك شريعة الخاطئة ترجم حتى تموت وتختنق تحت رجم الحجارة ، بل حلت محلها شريعة الرحمة ، من كان منكم بلا خطيئة فليرمها اولاً بحجر ، لم يعد الناس يدفنون معهم اشياءهم الثمينة ليستمتعوا بها باجسادهم المحنطة ، بل اصبحوا يعملون
لأرواحهم ويعدون لحياة اخرى سامية ، يكنزون عندما يفعلون البر كنوزاً لهم في السماء ليجدوها في نهاية السفرة الشاقة هنا .
أقبل عيد الطفل الذي غير الاوضاع لم يعد الناس يؤرخون بتاريخ بناء روما فيقولون مثلاً في السنة الخمسين لبناء روما حدث كذا وكذا ، بل اصبحوا يؤرخون بمولد الطفل في مغارة بيت لحم فيقولون في سنة كذا وكذا للميلاد .
أقبل العيد ، فهل فكرت بمعنى العيد ،
وهل قدمت هداياك ..؟ انها ليست في بخور يتصاعد اريجه ، ولا في شموع تنار امام مذبح ، انها ليست في ترانيم تصعدها الشفاه لتذوب في الفضاء ، ولا في طقوس تقام العام بعد العام ، ان الهدية التي تسعد صاحب العيد في عيده ، هي يوم تسودك موجة من الخير والتقوى فتكون مخلوقاً يسمو بمجتمعه ، يوم تتمشى كفرد في المجتمع على قاعدة قوامها ، ليست السعادة في ان تأخذ بل في ان تعطي ..





