في الشهر الفائت ألقت الآنسة عناية رمزي محاضرة قيمة في نادي الشابات المسلمات، عن نفسية المرأة وعن السبل التي يستطيع الرجل بها أن يصل إلى مكنونات ذاك «اللغز البشري» الذي أثار حيرته منذ أقدم العصور. ونزولاً عند وعدنا، ها نحن ننقل للقراء مقتطفات من أهم ما جاء في هذه المحاضرة.
سئل فيلسوف حكيم عن الحياة، فأجاب: رجل وامرأة، إذا أرادا أن يعيشا في الجنة عاشا، وإذا أرادا أن يعيشا في النار النمسا أقرب السبل إليها. فمعرفة طبيعة الحياة تكون إذن بمعرفة طبيعة قطبيها: المرأة والرجل، ومعرفة طبيعة النفس الإنسانية هي الشرط الأساسي لتحقيق السعادة والوسيلة الوحيدة لتجنب أسباب الشقاء والخيبة، لأن الإنسان هو المشكلة الكبرى، لا الإنسان من حيث هو حيوان بل من حيث هو نفس وعقل.
وإذا تصفحنا تاريخ الفكر الإنساني منذ عهد سقراط حتى يومنا هذا لألفينا أن المفكرين لم يعنوا بالطبيعة المادية عنايتهم بمشكلة النفس الإنسانية. وأخص حديثي بالمرأة، المرأة التي صرح الرجل أنه يستطيع أن يعرفها أماً أو أختاً أو صديقة أو زوجة، كما يعرف الرجل أباً أو أخاً أو صديقاً أو ابناً. وراح يؤكد أن المرأة ستظل لغزاً ما دامت الحياة، بل إن منهم من ادعى أن الذي يحاول الكشف عن أغوارها كالذي يجوب المجاهل، ومنهم من ادعى أنه إذا حل لغز المرأة تكشف للرجل سرها وزهد فيها.
وقال نيتشه: «كل ما في المرأة لغز وليس لهذا اللغز إلا مفتاح واحد هو الأمومة». نعم إن نفسية المرأة تتشكل من مركز أصلي هي الأمومة تتجمع حوله بدرجات متفاوتة العناصر الثانية التي يمكن إجمالها بخاصة الذاتية والتي هي في نظري أساسية لروح الأمومة كوجود المركز ذاته وسأخص حديثي في هذه الظواهر الثانية والتي تتشابه بها إلى حد كبير مع الرجل لأنها تعبر عن الطبيعة البشرية. وبديهي أن العوامل الفيزيولوجية والعوامل الثقافية والاجتماعية تؤثر في نفسية المرأة، ولكن سأستبعد هذه العوامل خاصة لتكوين رأي حول ثبات بعض الحوادث النفسية في طبيعة المرأة، الطبيعة الفطرية العريقة، خلال الحضارات المتعاقبة قبل أن تتناولها يد التثقيف بالتهذيب والتنظيم.
يقول النفسيون إن المرأة أكثر استثارة في عواطفها من الرجل ويرجعون هذا إلى طبيعتها الفيزيولوجية. وهي سريعة الانتقال من حالة وجدانية إلى أخرى، وقد شبه فيكتور هوجو المرأة بالطقس الذي يبدو في يوم من الأيام صحواً مشمساً، ثم يكفهر الجو وتشتد العاصفة وينهمر المطر. هذه صورة من صور المرأة في رضاها وغضبها، في ساعات مرحها وفي أوقات أحزانها وآلامها.
ويقول الأستاذ فكري أباظه: أن المرأة شخصية مزدوجة بحكم الطبيعة لا بحكم الاكتساب وإن جهدت في كشف السر فشلت. أما أنا فأقول أن الشخصية الإنسانية عامة في المرأة، كما في الرجل، ليست كما توهم الفلاسفة، مركبة من نواة بسيطة جوهرية ثابتة، بل إن الإنسان مخلوق مركب متعدد الشخصيات وإن خيوط الشخصية لمتشابكة ولا حصر لاحساساتها المتعددة، فالمرء لا يكتفي بلون واحد من الحياة يحياها، وإنما تتعدد فيه الشخصية مع الزمن والظروف وتسير حياته بها إلى النمو والتماسك اللذين هما هدف الحياة الإنسانية.
وهناك ناحية من الطفولة في خليقتها كما أن في الرجل جانباً آخر منها. وهي نزوعها إلى البكاء عند افتقارها إلى الدليل. والمرأة من الصنف الذي يحلم حتى في عز النهار، وكثير منهن يحلقن بأجنحتهن في سماء الخيال ليحلمن بالسعادة التي يصورها قلبين، وأي حلم أجمل من أن يكون لها قلب مشبوب بالأماني والآمال وفي هذا القلب عالمها وجنتها!
وقد تلهبها ذكريات الماضي كما تلهبها أحلام المستقبل. والمرأة ككل كائن حي تتصف بالأثرة. والأنانية تتضح في الجنسين على السواء. وهي وإن كانت تفضل أن تحب رجلاً واحداً وتتفانى في الوفاء له، لكن لا يضرها أن يعجب بها غيره ولو أنه يسوءها بل ويغيظها أن يتغنى رجلها بجمال غيرها، بل ولو كان الذي أبدى رأيه هذا شخصاً لا يهمها.
وهذا النقص الخلقي هو الذي ولد فيها الشعور بالغيرة، وهو أيضاً الذي يحملها على النقمة ممن يحاول انتزاع ما تراه حقاً طبيعياً أو مكتسباً. ولعل مرد هذه الأنانية عدم استقرار شخصيتها فترى أنها مهما علت مكانتها فإنها تظل حائرة قلقة. فالمرأة تحتاج إلى ما يؤكد لها ذاتها. والحقيقة أن المديح يروق في أعين الرجال والنساء جميعاً.

