.. هناك في أحد منعطفات شارع المطران في طرابلس يقوم بناء متواضع ، تنساب من نوافذه الموصدة نغمات شجية تعلو عنيفة آناً وتنخفض ناعمة آونة . تسمعها إذا أصبحت ، وتسمعها إذا أمست ، وتهدهد أوتار قلبك إذا أويت إلى فراشك متأخراً ، وفي بعض الليالي العاصفة تخترق الجدران لتوقظك من نومك في الهزيع الأخير من الليل . وكأنما مثلاً لتموه عليك الليلة الليلاء فتستمع إليها غير متبرم ولا متأفف ، وما تلبث حتى تأخذك مرغماً على جناحيها المحلقين إلى عوالم بعيدة من التفكير ، التفكير في المحبة ، في الخير ، وفي السلام . حتى إذا أعادتك من بعد تطواف كنت غير الذي كان ، وكان لك في الحياة آراء ونظريات ، لم تكن لولا هذه الألحان ، في عالمك المجهود .
في هذا البناء الذي تحيا فيه الموسيقى الكلاسيكية حياتها الحرة الطلقة ، يحيا كذلك طفل لم يتجاوز الرابعة ، كل همه في الحياة أن يستمع إليها ساهماً مفكراً ، حتى إذا ما أخذته فيها انتفاضة الفنان أسرع إلى عصاه فاختطفها وراح يصعدها ويحبط بها إما متأنياً حانياً خاشع النظرات وإما صاخباً عنيفاً يكاد الشرر يتطاير من نظراته الثائرة ، ويظل كذلك ساعات طوالاً لا يعي على نفسه بعدها إلا منطرحاً على سريره وقد أخذته سنة من الكرى بعد جهد ونصب .
لم يعرف أبواه كيف أو متى أحب الموسيقى ، وإنما الذي عرفاه أنه في يوم
من أيام الصيف القائظ وكان عمره حينذاك سنة وبضعة أشهر ، أخذ يبكي لغير ما سبب كما اعتقدا أولاً ، ولكن نوبة البكاء الملحاحة دلتها على أن ابن السنة والبضعة الأشهر يطلب إليها إعادة اسطوانة (ليتهوفن) وما أن أعادا اللحن الصاخب حتى انفرجت أسارير الطفل وكف عن البكاء ، وفي كل مرة كانت تنتهي الأسطوانة كان يلج في طلب إعادتها وهكذا حتى أجهده السمع فراح في سبات عميق أفاق بعده على مرحلة جديدة من حياته الفنية ، وأخذ أبوه الهاوي المرهف السمع يجري عليه تجاربه فإذا به موسيقي وأي موسيقي ، له إذن دقيقة الحاسية لا تخطىء في فهم الألحان مهما كان نوعها ، فهو يكره الأنغام الراقصة « كالسمبا » و« الرومبا » وكذلك يكره الموسيقى الشرقية ولا يرضى الاستماع إليها في حال من الأحوال ، وهو يهوى الموسيقى الكلاسيكية لدرجة غريبة تجعله يستمع إليها الساعات الطوال دون أن يكل أو يتعب أو يرين على ناظريه شيء من ملل الأطفال ، وله تعابير خاصة عن الموسيقى فهو إذا أراد اسطوانة معينة ( « نيتشر » مثلا قال : ضعوا لي تلك التي تبتدىء قوية هكذا ، ويشير بعصاه عالياً أو لـ « باخ » قال بل تلك التي تبتدىء وكأنها رذاذ من المطر يتساقط على الأرض وئيداً ، أما « بيتهوفن » فله عنده المقام الأسمى فهو يحبه أكثر من والديه ، ولقد علق صورته في صالون العائلة الصغير فوق المذياع ، وإنك لتشعر وهو ينظر إليه كأنما قد تجمعت قوى الأرض جميعاً لتنطلق من بين شفتيه فتقولا له : أحبك !
إذا رأيته لأول مرة أدركت أنه موسيقار أصيل تلفه بردة طفل فذ ، وعرفت أنه معتد بنفسه لدرجة أنه يستل منك مخاطبته بـ « المايسترو » استلالاً ،


