المحدود الطاقة المبدعة ، كمعظم هؤلاء الناس المزدحمين على حافة البئر سوى الحفاظ على النسل وبناء العائلة التي أؤتمنوا عليها ، بناء متيناً ، لجعلها وحدة لا تتجزأ من مجتمع قومي أفضل !
هنا اقتربت من الدلو ، حتى أشرف وجهي على وجهه ملاصقاً إياه لئلا تضيع علي بعض حكمه ، وقد أحسست أن كلامه الآن بلغ مرحلة ذات ارتباط وثيق في وبنات جنسي ، وقلت في نفسي : حسبي من وقفتي هذه الطويلة على البئر ، حسبي أن أوفق بالتالي إلى نقل هذه الرسالة الثمينة إليهن .
وأرهفت سمعي مشرّبة ، أتطلع بقلبي وعيني إلى ما عسى أن يتفوه به دلوي هذه المرة ، فسمعته يقول :
لعل أكثر ما يشغل بالي مصير عائلتنا في هذه البقعة من الأرض ، فقد رافقت الأدوار التي تآلبت عليها بحكم انتقالها من طور إلى طور ، وشهدت عن كثب عملية تسرب السلطة تدريجياً من أيدي الآباء وتحولها إلى أيدي النشء الطالع ، تمشياً مع متطلبات التربية الحديثة ، ومجاراة لروح العصر . وثمة أمر واحد هو ضرورة حتمية متممة لهذه التربية الاستقلالية الذاتية ، تلمسته في بيوتنا وبين ظهرانينا فكدت لا أجد له أثراً - أعني التوجيه الوطني الصحيح . فأطفالكم ، وقد أعطوا حرية التفكير والعمل ، يفتقرون إلى هذا التوجيه الواعي الذي ينمي في قلوبهم الإيمان والعقيدة ، ويفتح أمام أعينهم آفاقاً رحبة من العزة القومية الرفيعة والتقديس لروح البطولة ، إذ ليس كهذه التربية التوجيهية ما من شأنه أن يقوي ثقة النشء بأنفسهم ، ويرفع معنوياتهم ، ويوقفهم على واقع أمرهم من مجتمعهم ومن وطنهم الذي سيكونون الحجارة لبناء أساسه وجدرانه وسقفه .
أطفالكم يرفلون بألف لون من الكسوة المترفة الناعمة ومن الأطعمة الشهية المغذية تقدمونها لهم بسخاء على أطباق مفضّضة ويلتهمونها في ملاعق من ذهب ، ولكن هذه الأطعمة ، على وفرتها نوعاً وكمية ، لن تكون صالحة كل الصلاح مكتملة لجميع عناصر التغذية ، ما دام ينقصها اكسير الرجولة الوطنية ، الواضحة التصميم ، الواضحة الهدف ... أين أطفالكم من هذا الذي أريده لهم ؟ الا ترين معي أنهم مساكين ضائعون في هذا الجهاز العائلي الفوضوي ، يخبطون فيه خبط عشواء ، وعبثاً يتلمسون وحدهم في الظلمة ، الطريق المستقيمة التي توصلهم إلى محجة السلام ، إلى عائلة مثلى وإلى مجتمع أفضل ؟
وما يدعو إلى التفاؤل أن إمكانيات عائلتكم اليوم أوسع مدى مما كانت عليه فيما مضى ، وقد أصبح بوسعها على الأقل ، أن تحلق بجناحين متعادلي القوة ، بينما لم يكن لها من قبل هذا العهد ، سوى جناح واحد تضرب فيه الفضاء منحرفة في طيرانها ، تجرّ خلفها جناحاً مخلصاً أشل ، يحتمي في كنف توأمه القوي اتقاء للأذية .
إنها ولا شك وثبة جبارة ، تلك التي سجلها هذا العهد لنساء هذا البلد ، ولن ينقضي زمن طويل ، قبل أن نتلمس صدى هذه الوثبة وأثرها الإيجابي ، وما سيليها من وثبات ، في جميع مرافق حياتنا الاجتماعية ، لأنها ستعمل كلها معاً ، لتوطيد أواصر العائلة وشد أجزائها ، وتعينها بالتالي على رسم معالم الطريق لبلوغ المجتمع الذي ننشده .
والمرأة اليوم بعد أن استعادت حقها السياسي الكامل ، استعادت ثقتها بنفسها وتيقنت أنه من حقها أن تكون مواطنة ، لها طاقة على العمل والإنتاج الإيجابي للبناء ، لا تقل عن طاقة الرجل ، وأن بتعاونهما فقط ، يعيدان بناء وطننا
العزيز الذي كاد يتداعى وينهار ، بعضه فوق بعض ...
★
أنهى دلوي حديثه وهو يلهث أعياء ، وانصرفت أنا عنه بتؤدة إلى حيث يتسنى لي جمع شتات أفكاري ، والنظر العميق إلى أقواله واستيعابها كلمة كلمة ، يغمرني شعور قوي من أن كلامه ، على بساطته في الظاهر ، ينطوي على فلسفة عملية واسعة تستحق الدرس والتعميم .
إني إذ أنقل إليكم بإيجاز حديث دلوي من بئر الاختبار ، أنقله بتحفظ متسائلة ، ما عساها كانت تقول دلاء الناس حولي على البئر ، يتدافعون بالمناكب والاكتاف ؟ وذلك العملاق اليدين ، المديد القامة ، ترى ، أما يزال على البئر ، مشرّع اليدين يحمل بدلاء الناس ، بنظرات بلهاء حمقاء ، عاجزاً عن تفهم كلمة واحدة من حكمتها ، أو فك لغز من ألغازها المغلقة !!؟
