لماذا نكذب قليلاً ؟ يبدو هذا غريباً على سمعك ؛ فاصغي الى ايضاحه ببعض الامثلة :
هذه فتاة تواجه فتاها للمرة الاولى ، فيسألها اذا كانت تدخن او تشرب فتنتفض مجيبة : لا ! قد تكون كاذبة في قولها خجلاً او ارتباكاً . وتضطرنا الحاجة الى النطق بالكذب في كثير من الاحيان ، يبرر موقفنا ايماننا بأنه لا غنى لنا عن هذه الكذبات الصغيرة التي تسيرنا على قدم المساواة مع العالم من حولنا .
اذا زرت القرية مرة ، وايقظك صوت العصافير بعد نوم ساعتين ، او قضيت ليلة مؤرقة ، بسبب خشونة فراشك ، فانك تجيبين مضيفتك بلا تردد حين تسألك كيف قضيت ليلتك ؛ اني نمت كالطفل ، وشعرت براحة عظيمة ؛ أوليس هذا كذباً ؟ ..
نكذب الى امهاتنا احياناً ، لنجنبهن الحزن كاخفاء مرض ، او فشل في وظيفة ، والام تحتاج الى الكذب مثال على ذلك أم زورت قوائم مالية لتوهم اولادها بتأمين مستقبلهم .
يلجأ الطفل الى الكذب ليدافع عن نفسه ، فهذا سمير تأخر عن الحضور الى المنزل في الوقت المعين فيروي لوالدته كيف تصدى له الغول في الحديقة ، فهذا النوع من الكذب يصطنع لتغطية ناحية نقص في نفس المرء ، وأضر انواع الكذب النميمة ، التي تورث العداوة وتسبب
اشراراً وخيمة العاقبة ، مثل بسيط على ذلك سيدة تكلم زوجها تلفونياً فيجيبها صوت من الطرف الآخر بأنه ذهب منذ الصباح ولما يعد ، والواقع بان الزوج المسكين يحتسي فنجاناً من القهوة او هو في مكتب زميل له ، والطامة الكبرى عند عودته الى البيت .
بانتهاء هذا البحث المقتضب ، سأنتقل الى موضوع أدق ، وأعقد ، فالكاتب هنا ، يعالج مشكلة تثير اهتمام الجميع ، بسؤاله : هل تقدر المرأة على الخلق كالرجل ؟ ولماذا لا ؟ ألا تعتقدين معي بفشل النظرية القديمة ، فالحقيقة عكس ما يقولون ، غير عابئين بالاغلال التي قيدت المرأة في القرون السالفة ، اما الآن ، فقد بدأت تنفض عنها آثار تلك القيود لتبرهن عن مقدرتها الخلاّقة ، التي لا تقل بشيء عن مقدرة الرجل . ليس هناك أي دليل على ان الطبيعة زودت الرجل بمقدرة عقلية تفوق مقدرة المرأة ، وكأني أسمع الرجل يجيب بسرعة : هات نساء برزن في اي ميدان عملي . فجوابي على هذا هو لفت نظر من يناقضني الى الاسباب التي أبقت المرأة متخلفة عن اللحاق به في الميدان الفكري ومن ابرز هذه الاسباب نظرته الى المرأة كهدف في حياته ، به يبني انتاجه الفني والفكري ، فهي موضوع قصته او لوحته الفنية ، ولكنها لم تكن الكاتبة او الفنانة لأن ابواب العمل سُدّت في وجهها . المرأة قوة خلاقة طبيعية ، وأعني بذلك
خلقها للنشء وإنماءه . لا ننكر بان الرجل يساعد في تكوين الحياة ، لكن حروبه المستمرة ، وقساوة طباعه ، توضح لنا ميله الى هدم الحياة كذلك ، فهو يفتك بها دون حساب ، على عكس المرأة الانسانة ، المعطاة الحنون ؛ فالطبيعة منحتها ما لم تهب الرجل : الأمومة ، وما يتفرع عنها من محبة وإخلاص ، وتضحية وحنان . وهذه أقوى العناصر التي تساعد على بقاء الحياة .
وقف الرجل فيما مضى وراء حاجز ضيق ، ليتهم المرأة بالانحطاط وقصر النظر ، وهل يشك أحد بأنه لو تخلت المرأة عن واجباتها المنزلية ، وخرجت للعمل تقصر عن السير مع الرجل على صعيد واحد ؟ لكن المجال لا يتسع للاختبار الفعلي ، فتوجيه المرأة الطبيعي نحو الامومة وعندما يتعلم الرجل فهم حقيقتها ، سيقر ولا شك بمقدرتها على الخلق فيرفعها الى المنزلة السامية التي أعدت لها .
يخبرنا التاريخ بأنه لم يُسمح للمرأة دخول المسرح حتى القرن السابع عشر ، اما الكاتبات فكن يظهرن في الحقل الادبي تحت اسماء رجال ، وهذا دليل واضح على استعباد المرأة والضغط عليها . انك بدأت تشعرين بتجهم الجو قليلاً فلننتقل اذن الى مادة أخف وألين : فهل وقعت مرة في مأزق حرج ؟ وكيف حاولت الخلاص منه ؟

