


كان ذلك في مطلع حزيران ١٩٢٠ .
وقدم الملازم ديوي سلمى صائغ « زميلتي » في السفارة الفرنسية بقوله : -
« دونك هذا البحر الزاخر بالمعرفة والذوق والايناس فاغرف منه ما شئت وما استطعت » .
كان قلم سلمى يشق طريقه الزاهر عبر حدائق الادب .
وكنت في اول عهدي بالترجمة .
وكانت سلمى تصحح لغتي وتهذب عبارتي .
كانت تحتل من قلبي مكان التجلّة والاحترام . وهل يقابل الادب الجم والتهذيب الرفيع والخلق السامي ونكران الذات والحدب على الاخرين الا بالتجلة والمحبة والاحترام .
سلمى صائغ هي التي عرفتني الى جبران و « عمدتني » بادب جبران .
لا ازال اذكر فجيعتها به وحزنها عليه . لم يتح لها ان تشهد مأتمه الذي اقيم بلبنان في ٢١ آب ١٩٣١ ، وقد كانت يومذاك تستشفي في باريس . ومن هناك ارسلت الي ، لتلك المناسبة بكلمة في فقيد الشرق تختتمها كما يلي : -
قالت سلمى لجبران : « لقد حُرمنا رؤيتك حياً فلن نحرم مشاهدتك ميتاً ، ونحن اتباعك لا نخاف الجماجم والعظام ، ولا نخشى المقل الخاوية ، ففي وجه الطفل النضر وفي جمجمة الشيخ الشاحبة جمال وفن وشعر . واننا لكما اردتنا ان نكون ، نرى القبس في الديدان كما نراه في النجوم » .
كانت سلمى تقدس الفن وتحب الفنانين وتحترمهم .
وفي حفلة اقيمت للرسام حبيب سرور لمناسبة اهدائه وسام الاستحقاق ، ارتجلت سلمى كلمة في حبيب سرور كشفت فيها عن نبوغه وروعة فنه ، ثم ضمّنتها الواقعة التالية :
كانت سلمى تصطاف مع طفلها الرضيع البكر في الكفور . وذات يوم دخلت منزلها ففاجأت حبيب سرور منطوياً على
نفسه امام سرير طفلها النائم ، وريشته الخالدة تنتفض شمالاً وبيناً وتتموّج على صدر اللوحة وتجوب حواشيها ليرتسم عليها وجه الطفل في اكمل واجمل صورة . فوجمت الام عند هذا المشهد ثم صرخت بالفنان : « رحماك لا تفعل . ان رسم الطفل وهو نائم شؤم » .
وامتثل حبيب سرور فوراً لهذا الشعور واتلف اللوحة .
وشاء القدر ان يمرض الطفل بعد ايام وان ينتزعه الموت من حضن امه تاركاً اللوعة والدموع .
واشتاقت الوالدة ان تلمح وجه ذلك الطفل الذي غيّبه الموت وغيب وجهه الى الابد . تذكّرت لوحة حبيب سرور فندمت اشد الندم وتحسرت امرَّ الحسرة عليها ، وادركت ان ملاحظة طائشة ذهبت باللوحة وبذلك الوجه الحبيب .
واحس حبيب سرور ندمها وحسرتها ، فانبرى يستحث ذاكرته الامينة ، وانبرت ريشته الخالدة تدون ما علق بتلك الذاكرة العجيبة من ملامح الطفل الغائب .
وما انقضت ساعات حتى وقفت سلمى امام لوحة تكاد تلمس على صفحتها وجه معبودها الصغير ويديه وثوبه ، وتحس انفاسه الهادئة وتشم رائحته الزكية . لوحة تختلج حياة وتتجلى روعة ، ظلت عيناها عالقتين بها حتى اطبقها الموت .
... وخسر لبنان بعد سلمى مثلما خسر بعد مي وجبران .

رجعت بي الذاكرة الى ١٩٥٠ في عشية من ربيع بيروت القائظ ، وقدر لأن تكون ساعتئذ آخر عهدي بها ، في منزلها الجميل ، من على المقعد الوثير ، تجم بالقرب منه مكتبة جلها من المجلدات البيضاء رصفت رصفاً دقيقاً ؛ رحت اقرأ عن ظاهرها العناوين وبيدي مروحة قش ، اروح بها النسمات وانا في انتظار صاحبة « النسمات » .
كنت اعلم انها استدعتني مع زاهية ايوب وانعام صغير ووجهة نظرها عدد المغتربين من هذه المجلة ، وكنت اعلم ايضاً انها ككل الاساتذة غائصة في خضم الامتحانات النهائية . حر حزيران ، ومشاغلها التربوية والادبية ، لم يثنيها عن انعام ترجمة استنتجت انها من البرتغالية التي تتكلمها مع الاسبانية التوأم ، ملأت ناظري وهي ملقاة على المنضدة في الركن الآخر من الغرفة .