

في ربيع ١٩٣٧، اذ كان الفنان يوسف الحويك، يعمل في محترفه بفرن الشباك، شوّش عليه صبي، في النافذة، يطيل الوقوف والوصوصة ... وخيّل اليه انه متطفّل مزعج، شأن معظم الصبية في ذلك الحي، فتناول عصاً يهوّل بها على الصبي، كما اعتاد ان يفعل مع الصبية الآخرين ... ولكن الصغير لم تبعده تهويلة العصا، وطلب من الاستاذ برباطة جأش وبالحاح، السماح له بان يتفرّج على التماثيل من الداخل ...
يلحظ الحويك في وجه الصبي، غير ما تعوّد رؤياه في وجوه الصبية المزعجين .. فيفتح الباب باشاً مرحباً، ويقوده بين الأجسام والرؤوس الحجرية، معرّفاً تماثيله بنفسه، ومراقباً بريق الدهشة يلتمع في عيني الصغير، وشعاع الاعجاب يعلو وجهه الأسمر ...

لم يكن صبينا ذاك سوى الفنان سميح عطار!
وهو يومئذ حديث العهد ببيروت، نزح اليها من طرابلس، وراء الفن - معشوق طفولته - فلم يجد منهلاً يروي منه عطشه سوى مدرسة الصنائع
والفنون، وهناك مكث سنوات اربع، تخرّج بعدها في النحت وصب المعادن على يدي الاستاذ عبد الوهاب عضاضة.
يلفت ذكاؤه اهتمام اولى الشأن في مدرسة الصنائع فيتعاقدون واياه معلماً لصب المعادن والنقل عن النموذج، غير ان الفنان يتوق، بعد، للاغتراف من بحور الفن العميقة، وما تيسّر له في بيروت لا يتعدى السواقي الضحلة، ولا يرضي كبرياءه الفنية او يشفي غله ويشبع نهمه...
وهل في غير «روما» - موطن الفن الاول - غاية طموحه وامانيه؟
... الى روما امجر ١٩٤٩، موفداً من قبل وزارة التربية، فراح يتنقل بين معاهد فنها، يتجرّع التراث الفني العالمي جرعات كبيرة، ولا يدع لحظة تمر الا استفاد منها ... التحق أولاً «بالمعهد الفني» للتخصص في صب التماثيل البرونزية، وهو اليوم، في لبنان، الوحيد الذي بوسعه صب تماثيل البرونز. ثم دخل مدرسة «المدالية»، وبعدها معهد اكاديمية الفنون الجميلة للنحت، ومن جميع

