عادت مؤخراً من اميركا ، الصديقة الآنسة ليلى صلاح لبايدي بعد قضاء سنة في جامعة منشيفن وحوزتها على درجة « استاذة في التربية » - وتحمل الآنسة لبايدي كذلك شهادة بكالوريوس علوم في الأدب العربي من الجامعة الأميركية ، وانه ليسرنا كل السرور ان تقدمها هنا ، الى قراء «صوت المرأة » في سلسلة من محادثاتها عن الولايات المتحدة ، حول اروع ما رأت ...
في الناحية الجنوبية من جزيرة مانهاتن قلب مدينة نيويورك النابض ، وعلى قاب قوسين من الشارع الخامس شارع الأزياء الحديثة والسيدات الأنيقات ، يجد السائح اروع احياء نيويورك على الاطلاق ...
هي بضعة شوارع ضيقة لا يعرف المار بها اين يبدأ الواحد وينتهي الآخر ، تلتف على بعضها وكأنها ليست جزءاً من تلك المدينة الكبيرة التي اشتهرت بشوارعها المتناسبة وترتيبها البديعي ... هناك في سكينة لا تتناسب مع جو نيويورك الصاخب يعيش قوم يشتغلون بالفنون على اختلاف انواعها . يعرف هذا الحي بـ Greenwich Village او قرية كرينويتش . ومع ان هذا الاسم معروف لدى سكان نيويورك فالعالم لم يسمع عنه شيئاً لان فنانيه هم ، اما من الفنانين الناشئين او فنانون حاولوا عبثاً لفت نظر القوم الى فنهم . الا ان هذه الجماعة الاخيرة ليست طبقة من الفنانين العاديين اذ أنهم لم يتخلوا عن فنهم ليرتزقوا بعمل آخر بل انتقلوا الى قريتهم هذه ليعيشوا مكرسين اوقاتهم لفنهم حيث الحياة روح لا مادة .
كنت في كل صباح في طريقي الى المدرسة طوال الشهر الذي قضيته في نيويورك اعرّج على هذه الشوارع الضيقة لأطوف بها وبين واجهات الحوانيت فيها طواف المتعبد بمعبده . وكنت في كل صباح اجد شيئاً جديداً يروق لناظري ويروّع مخيلتي فأشعر باكتفاء ليس بعده اكتفاء واعود الى مدرستي وكأنني انسان آخر . كيف لا وقد كنت منذ برهة فنانة تحس وتشعر بكل ما في احساس الفنان وشعوره من رقة وارهاف ... ولطالما نظرت الى وجوه المارة هناك معنة بها محاولة رسم الصورة في ذاكرتي فأنا على يقين ان بين هؤلاء وجه رجل سيلمع اسمه في النحت شهيراً يوماً ما ، ووجه امرأة لعلها شاعرة الجيل الأميركي الحديث . وبينهم ايضاً قوم قد ارتقوا الى اسمى درجات الانسانية لأنهم يعيشون على الفن عالياً يستقون منه ماء حياتهم ...
ولعاني لا ابالغ اذا قلت ان الحيوان والجماد قد استقى هناك هو ايضاً من ينابيع الفن الحساسة . فالناظر اذ يرى الهرر تسترق الخطى عبر الطريق او تطل من تلك النوافذ الحقيرة يتخيلها تضيف الى المكان روعة وجلالاً ، وهو اذ يرى الكلاب تلعب في الطريق يظنها اجمل من الكلاب التي يراها في الاماكن الاخرى . اما الجماد - ان صح ان تدعو ما ينتجه الفنان جماداً - فهو بلا شك قد استقى من تلك الينابيع وارتوى . فالبيوت على صغرها غريبة التكوين ، لطيفة المنظر . والحوانيت من ابدع ما رأيت ، معظمها قد بني تحت الارض ينزل اليه من الطريق العام بدرجات زينت جوانبها بأحواض الزهور او بنماذج من صنع الفنان صاحب الحانوت .
والفن في قرية كرينويتش لا يقتصر على الرسم والنحت والادب والتمثيل والموسيقى بل يتعداها الى صناعة الجواهر والخياطة والطبخ وبيع الزهور الطبيعية ... والاسماء التي انتقاها هؤلاء الفنانون لحوانيتهم كافية للدلالة على تنوع الافكار والمخيلات في ذلك الحي الصغير فبين المطاعم مثلاً واحد يدعى « الشيكو » بما في هذا الاسم من كبر وعظمة ، وآخر « المكان الصغير » بما في الاسم من تواضع وعزلة ، وثالث «هامبتي دامبتي» Humpty Dumpty بما في هذا الاسم من نكتة وطفولة ... وفي مكاتب الحي يرى الناظر برهاناً آخر لتنوع التفكير فيه . هناك بوسعك ان تشتري كتاب شعر من تأليف شكسبير او من تأليف جبران خليل جبران وقصة من تأليف اندريه جيد او زلدا فيتزجرالد وكتاب علم نفس يتكلم عن الأحلام او عن اثر الدين في حياة الانسان ... بالاضافة الى ما تضمه هذه المكاتب من كتب حديثة لا نعرفها ولا نعرف شيئاً عن مؤلفيها .
هذه ليست الا لمحة خاطفة عما اظنه اروع ما رأيت في الولايات المتحدة وكيف لا يكون وقد اجتمعت فيه فنون لكل منها على حدة روعتها الأخاذة ؟!.

