«فن منح الحرية» نقتطف منه ما يلي:
التربية فن، ولعلها اكثر الفنون صعوبة واهمية. وقد يتبجح بعض الآباء بانهم يقرون حرية التصرف لاولادهم الذين لهم من العمر اثنتا عشرة او خمس عشرة او ثماني عشرة سنة. ان هذا يعني عدم الاكتراث بهم. والاهمال لم يكن يوماً شكلاً، ولو متواضعاً من اشكال التربية، بل على العكس تماماً، وما عساها تكون هذه الحرية شوهاء، أسيء استعمالها، تؤذي صاحبها وما حوله ايضاً، اللهم الا اذا كان هؤلاء الذين يتمتعون بها في هذا السن الباكر جداً مخاليق فريدة تتصف بالاستقامة والحذر والفهم!!.
فعلينا ان نميز بين الحرية الجميلة واجازة التصرف للشباب، وبينها وبين عدم الاهتمام الذي يحمل مفاجآت غير سارة ابداً. ان الحرية، واعني الحرية الصحيحة، الضرورية لاطراد النمو المتساوق المنسجم للكائن الانساني وسيره نحو التكامل الجسماني والنفساني والفكري تتطلب تهيوءاً واعداداً يمتد مدى سنين، ولذلك فان تنشئة طفل تعني منحه كل انتباهك واهتمامك يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة. على ان يكون هذا الانتباه خفياً عندما يكون بغنى عن مساعدتك ولكنه قابل للتفسير او مرفوق بالمساعدة والتأييد عندما يلتفت اليك طالباً اياها. اقول مساعدتك ولا اقول تذليلك للصعوبات، لان على الولد ان يفهم منذ السنين الاولى من حياته ان لكل فرد نصيبه من الجهد، وان من النذالة التهرب من تحمله.
والطفل الذي ينشأ في بيئة صارمة متزمتة مغرمة بانزال العقوبات، لا يستطيع بعدها اظهار قابلياته ومواهبه تماماً. ان القسوة والشدة المفرطة كالحب الذي يدفع عن الولد كل مسؤولية، وكالاهمال وعدم الاهتمام الذي يخفف
القلب، كلها اسوأ اساليب التربية.
ان التربية الصحيحة يجب ان ترتكز على الثقة المتبادلة، التي هي مزيج من المحبة والاحترام. والطفل له الحق في ان يحترم، واما هؤلاء الذين يخنقون ميوله ويخرسون مواهبه دون سبب هام فهم آباء فاشلون، ومربون مجرمون!
وانه لمن الاجرام ان نعامل اولادنا الشباب وكأنهم اناس دوننا بالانسانية، وبشيء من روح السيادة! نعم ليس افضل من ان يحيط الابناء الآباء بالخدمة والمساعدة، ولكن لا يجلب الحب الا الحب، وهذا الحب لا يمكن ان يكون يوماً انانياً! وكيف ننسى ان المخلوق الذي جئنا به الى الحياة هو مخلوق له ما لنا، وعلى الآباء، عندما يكملون تربية ابنائهم المراهقين، ان يدعوهم بعدها احراراً في اختيار نوع الحياة اذا كانوا ممن يتمتع بمواهب او قابليات خاصة، ولكن دون ان نهمل تزويدهم ببعض النصائح الودية التي نستمدها من التجربة. اما اولادنا الشباب الذين بلغوا سن الزواج، فتياناً كانوا ام فتيات، فمن الحكمة ان نسمح لهم برؤية ومخالطة رفاقهم من الجنسين، وان نفسح لهم المجال لانواع من التسلية الشريفة، فاننا اذا كنا احسنا تنشئتهم، وتهذيبهم، فليس لنا ان نخشى بعدها اساءة في استعمالهم للحرية.
٤ - وجاء في مقال للكاتبة برن برناج، تحت عنوان «الحماس» ما يلي:
ان الحماس من افعال الحائز واقوى الدوافع للانسانية، ولولا الحماس لما اصبنا تقدماً ولا اصلاحاً، ولما كان لنا اي شكل من اشكال الفنون من نحت او تصوير، او موسيقى او بناء، فالعالم والمخترع هما اناس يعيشان في حماس مستمر. فلننظر اذن، عندما نفكر باولادنا، اننا لا نملك الحق في اطفاء
جذوة اندفاعهم ولكن معهم بنائين وليس بهدامين. وعلينا ان نلجأ الى النقد نحو اي امر كان، ومهما كانت الظروف والا نرى دوماً ومسبقاً الوجهة السيئة القائمة لما يذكرون لنا من امور، ان الاولاد الذين ينشأون في بيئة تتناول بالنقد كل موضوع، وتبدي كل ملاحظة سلبية، وتنتقص من اهمية كل فكرة ومن حسناتها وتبالغ في اظهار محاذيرها، وتلقي بظلال على كل فكرة واضحة او عمل نبيل او تجرد مخلص، ينشأون على الانانية وعدم الاكتراث لامر ما، ويغدون في المستقبل شخصيات تافهة لا ذوق فيها ولا مطمح لاي امر واضح او بناء. وهل يمكن لمثل هؤلاء الاولاد ان يكونوا سعداء في الحياة! فالحماس هو ملح الحياة، ولهيبها، ولولاه لغدت الحياة باردة جوفاء لا معنى لها ولا طعم.

