برسالة وما أقل الرسائل التي تردني.
فضضتها لتوي وقرأت:
عزيزي...
تحية صادقة، وبعد فلن أطيل الكلام عليك، فإنك تعرفني.. دعني أقابلك نهار الغد في الساعة الرابعة مساء أمام مدخل مقهى... وسوف..
المخلصة
قضيت نهاري شارد الذهن، أفكر وأطيل التفكير. أنها هي من غير شك فلعمري أنني لا أعرف أحداً سواها، أو لا أفكر في أحد سواها. وجاء الموعد بعد انتظار يوم خلته سنة، ودخلت المقهى وانتحيت جانباً، وكانت الساعة تقارب الرابعة إلا قليلاً، ورحت أراقب الداخلين بعين ابن ليل ما له بالكرى عهد... وفجأة دخل الصديق ومعه بعض الأصحاب... وتمنيت لو تشق الأرض فتبلعني لثلا يروني. ولمحني أحدهم واتجهوا نحوي جميعاً. وجلسوا وجلست على مضض، ورحت أرقب المدخل وأحصي الدقائق، بل الثواني. جاوزت الساعة الرابعة ولم تأت، ولاحظ أصدقائي شرودي عنهم، وتغامزوا فيما بينهم، ثم ضحكوا ما شاء الله لهم أن يضحكوا، وارتفعت أصواتهم.. وأنا في شغل عنهم - فما بالهم، وما شأني بهم، وطال انتظاري...
كانت قصة الرسالة خدعة لفقها أخلص أصدقائي، ذلك اللعين الذي أودعته سري وبثته شكواي. لكني لم أشك لحظة في تلك الرسالة، مع أنني فكرت وأطلت التفكير.
★
ها هي تجلس الآن أمامي، بعينيها الزرقاوين، وشعرها الذهبي ينسدل على كتفيها، وقد ارتدت ثوباً أسود للسهرة.

